محليات

مساعدات الكويت الخارجية هل تتقلص وتعود الى الداخل؟

 

 

تواجه المساعدات الخارجية التي تمنحها الكويت لدول العالم النامي احتمالات تغييرات تفرضها تداعيات وباء كورونا. فبين خيارات الاستمرار أو الترشيد أو التراجع الاضطراري يتلخص مستقبل تدفق المساعدات والمنح والقروض الكويتية الخارجية التي فاقت نحو 6.5 مليار دولار خلال العقد الماضي.

وفي مقابل إنفاق ضخم على المساعدات والقروض الخارجية نمى بوتيرة سريعة خلال العقدين الماضيين، لم تحقق الكويت في مقابل ذلك عوائد ترتقي لحجم الانفاق وتعود بالنفع على الداخل. حيث تراجعت نسبة توسع الاستثمارات الخارجية الكويتية في الدول النامية المستفيدة من المساعدات فضلاً عن تذبذب حجم التبادل التجاري بينها على عكس ما حققه كبار المانحين مثل الولايات المتحدة والصين ودول أوروبية التي استثمرت في المساعدات الخارجية لتحقيق مصالح وطنية.

وفي حين ظلت الكويت تنفق بسخاء على المساعدات الخارجية بفضل فوائضها المالية، فان مرحلة التقشف المقبلة قد تُقيّد بند المنح والمساعدات أكثر بأولويات جديدة.

وحسب ملخص دراسة لمركز الخليج العربي للدراسات والبحوث (csrgulf) حول “تأثير تداعيات وباء كورونا على نسق المساعدات الخليجية والكويتية تحديدا”، استمرت نسبة تحقيق الكويت لمصالح مرجوة من سياسات المنح والمساعدات المقدمة الى الخارج محدودة، حيث لم تسهم هذه المساعدات في زيادة خلق فرص استثمارية وتجارية متبادلة تعزز من جهود تنويع الإيرادات التي تنمو بوتيرة متعثرة. وقد أخفقت الكويت بذلك في استثمار سياسة المساعدات الخارجية من أجل توسيع مصالحها الاستثمارية والتجارية في العالم النامي.

وفي حين بررت عوامل مختلفة نمو تدفق مساعدات الكويت الخارجية على امتداد العقود الماضي، فانه تم رصد تراجع هذه المبررات. وخلال العقد الماضي تراجعت بنسبة كبيرة وغير مسبوقة استفادة الكويت من منحها للمساعدات لمناطق ودول شهدت اضطرابات سياسية واجتماعية وأمنية.

ومن المرجح أن تشهد سياسة المساعدات الخارجية الكويتية إعادة مراجعة وتقييم خاصة في ظل تراجع الفوائض المالية الكويتية وأولوية تحقيق تنمية محلية ومصالح اقتصادية أكثر منها سياسية مع الدول المستفيدة. وفي هذا الصدد، لم تسعى الكويت لاستخدام سياسة المساعدات للتدخل في الشؤون الداخلية للدول المستفيدة وحافظت على سياسية الاعتدال في السياسية الخارجية.

رويترز

المساعدات الخارجية الكويتية: فرص مهدورة لتوسع مصالح الكويت الاقتصادية

في حين نجحت دول مانحة بفضل سياسة المساعدات والقروض الخارجية في زيادة تحقيق إيرادات إضافية بفضل نمو استثماراتها ومصالحها التجارية في الدول المستفيدة من المساعدات، أضاعت الكويت فرصاً مهدورة لتوسيع خارطة استثماراتها ورفع مستوى التبادل التجاري مع دول العالم النامي المستقرة.

وفي الوقت الذي نجح بعض كبار مانحي المساعدات في العالم على غرار الولايات المتحدة والصين والنرويج وروسيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى في تحويل بند المساعدات الخارجية الى استثمار مربح يسمح بتعزيز وتوسيع المصالح الاقتصادية المشتركة مع الدول المستفيدة من المنح، ما تزال في المقابل بعض دول الخليج -بينها الكويت- تربط المساعدات باعتبارات سياسية وتنموية أحادية الجانب عائداتها محدودة على التنمية الداخلية ومخططات تنويع الاقتصاد والتي أصبحت ضرورة قصوى في المرحلة المقبلة في ظل تراجع الإيرادات النفطية.

ومن غير المستبعد أن تصنف تداعيات وباء كورونا السلبية على إيرادات الدول المانحة للمساعدات بين الظروف التي يكون فيها المانحون مستعدين لتقليص المساعدات الخارجية أو تقييدها بالاعتبارات الجيواستراتيجية.[1]

وتنفق الكويت بسخاء سنوياً على المساعدات الخارجية الى دول العالم النامي والمناطق الفقيرة العربية وغير العربية رغم عدم استفادتها المباشرة من هذه المساعدات وخلق فرص مصالح اقتصادية تعود بالنفع على الداخل الكويتي. ففي حين ارتفعت تقديرات مساعدات الكويت للخارج الى متوسط نحو 600 مليون دولار (رقم تقديري[2]) سنوياً خلال العقد الماضي، تراجع متوسط تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة (من دول العالم وخاصة دول العالم النامي) نحو الكويت الى نحو 350 مليون دولار سنوياً خلال الفترة نفسها، كما انخفض متوسط نمو الاستثمارات الكويتية في الخارج والتي تديرها (الهيئة العامة للاستثمار) بنسبة كبيرة في الدول النامية والفقيرة والتي تعتبر أكثر الجهات المستفيدة من المساعدات الكويتية وبينها دول عربية ودول في منطقة آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وبشكل أخص المناطق التي تشهد توترات سياسية وصراعات مسلحة وعدم استقرار أمني منذ 2010.

وقد سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الكويت انخفاضاً قياسياً لتصل نحو 22.9 مليون دولار أمريكي في ديسمبر 2018 مقارنة بنحو 112.1 مليون دولار أمريكي في العام السابق. في المقابل توسع الاستثمار المباشر للكويت في الخارج بمقدار 714.1 مليون دولار أمريكي في سبتمبر خاصة في القوى الصناعية الكبرى أبرزها الولايات المتحدة وأوروبا واسيا[3].

وقد تجاوز حجم إجمالي المساعدات والإعانات الخارجية التي قدمتها الكويت إلى دول العالم نحو 1.8 مليار دينار كويتي خلال السنوات العشر الماضية (2008 / 2009 إلى 2018 / 2019)، بمتوسط سنوي 180 مليون دينار كويتي، وذلك بخلاف المساعدات المصروفة من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية[4]. وحققت المساعدات الكويتية الى الخارج قفزة الى نحو 112.6 مليوناً في 2018 / 2019 مقارنة بنحو 3.2 مليون دينار فقط في العام الذي سبقه[5]. هذه القفزة بررتها زيادة التعهدات والمساعدات الكويتية الإنسانية والتنموية الى الدول والشعوب العربية خاصة في سوريا والعراق وفلسطين واليمن وهي دول متضررة باستمرار التوتر والصراعات التي أضرت بالشعوب ومعدلات التنمية.

وتقدم الكويت الإعانات والمساعدات الخارجية للدول الشقيقة والصديقة حسب قرارات مجلس الوزراء، ويتم صرفها من بند المنح والإعانات في ميزانية الحسابات العامة بالوزارة، عل ألا يتم الاقتطاع مباشرة من الاحتياطي العام. وحسب دراسة أجراها البنك الدولي، لعبت الكويت، إلى جانب السعودية والإمارات العربية المتحدة، دوراً رئيسياً في مساعدة البلدان النامية في تمويل مشاريعها التنموية. وبلغ متوسط المساعدة الإنمائية الرسمية التي قدمتها البلدان الثلاثة خلال العقود الأربعة الماضية في المتوسط 1.5 في المئة من دخلها القومي الإجمالي، وهو معدل أعلى بكثير من هدف الأمم المتحدة البالغ 0.7 في المئة أو المتوسط الفعلي الذي توفره منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) للدول الأعضاء.[6]

وارتفعت نسبة المساعدات الكويتية التنموية الى دول العالم من متوسط 1.5 في المئة[7] (من دخلها القومي الإجمالي للفترة ما بين 1973 و2008 وفقاً لدراسة أجراها البنك الدولي) الى 4.5 في المئة (للفترة بين 2008 الى 2019)[8].

هذا الارتفاع وان ساعد الكويت على تمتين علاقتها مع دول العالم ومع المنظمات الدولية وزاد في توسيع شبكة صداقاتها وكسبها لعدد كبير من المؤيدين والداعمين لها، الا أن استفادتها الاقتصادية خاصة على مستوى علاقات الشراكة والتعاون الاقتصادي والمصلحي مع دول العالم النامي اعتبرت محدودة فضلا عن تقلص حركة الاستثمارات الخارجية الكويتية نحو دول العالم النامي او الاستثمارات المتدفقة الى الداخل.

رويترز

مستقبل المساعدات الكويتية الخارجية أمام خيارات صعبة

يواجه مستقبل العلاقات الخارجية لدول الخليج بينها الكويت مع بلدان العالم النامي بعض التغييرات المقبلة خاصة على مستوى تدفق المساعدات. اذ تدفع توقعات عدم استقرار أسعار النفط الى توسع دائرة التقشف في دول الخليج لتشمل على الأرجح بند المساعدات والتدخلات الخارجية.

التقشف المتباين بين دول الخليج قد يضع مسار المساعدات والمنح الخليجية لدول العالم النامي على مفترق طرق وفرضيات مختلفة. أولاً قد تختار دول خليجية استمرار منح المساعدات الخارجية بسخاء على الرغم من تراجع الإيرادات وذلك من أجل الحفاظ على الصداقات والتأييد ومكاسب سياسية أبرزها توسع النفوذ الخليجي إقليمياً ودولياً؛ ثانياً قد تضطر بعضها في المقابل الى خيار الترشيد والتقليص من حزم المساعدات وتوجيه جزء منها الى الداخل فضلاً عن تقييدها أكثر مستقبلاً بتحقيق أولويات مصالح مشتركة تعود بالنفع على الجهات المانحة والمستفيدة على حد سواء خاصة على مستوى دفع التنمية المحلية غير النفطية التي تتطلع اليها دول الخليج على المدى القريب والمتوسط. وبذلك قد تلتحق دول خليجية بركب كبار المانحين الدوليين كالولايات المتحدة الأمريكية والصين في مسار تغيير قواعد منح المساعدات الخارجية استجابة للمتغيرات المستقبلية التي تدفع اليها تداعيات وباء كورونا.

وقد تبرر الأوضاع الجيوسياسية الإقليمية غير المستقرة وصراع الأقطاب في المنطقة استمرار تدفق المساعدات الخليجية الى دول العالم من أجل التنافس على كسب التأييد، الا أن وتيرة المساعدات وحجمها قد تتأثر بتداعيات تراجع الإيرادات النفطية والفوائض المالية، وهو ما قد يجعل الدول بينها الكويت أمام خيارين : اما الضغط على ميزانيتها للمحافظة على مسار تدفق المساعدات والمحافظة على كسب التأييد، او الاقتداء بكبار المانحين في العالم على غرار الصين والولايات المتحدة، بربط المساعدات الخارجية الرسمية او غير السمية بشروط تحقيق مصالح وطنية أبرزها زيادة فتح فرص استثمارية للكويت في دول العالم النامي لتحقيق هدف تنويع الاقتصاد والخارطة الاستثمارية الخارجية.

ماذا جنت الكويت من المساعدات الخارجية؟

تمول الكويت بسخاء كجزء من سياستها الخارجية الاستراتيجية الأشقاء والأصدقاء الأكثر فقراً، وجنت لقاء ذلك تأييدا ودعما دوليين كبيرين لعل آخرها الدعم الدولي لحملة الكويت للحصول على مقعد في مجلس الأمن الدولي في 2018-2019[9].

واعتبرت منظمة الأمم المتحدة الكويت كمقدم رئيسي للمساعدات الخارجية وصنفتها عام 2014 باسم “مركز إنساني دولي”، الا أن هذه المساعدات نمت في ظل ازدياد الضبابية بين الخطوط “الخيرية” و”الإغاثة” و”التنمية”. وتصنف مساعدات الكويت الخارجية ضمن مستويات متعددة من سياسة الدولة، والمجتمع المدني، والمتبرعين الذين يمولون عمل المنظمات الخيرية الإسلامية في شكل الزكاة (الصدقة الإلزامية) والصدقة (التبرعات الطوعية).

وتعد الكويت واحدة من الدول الرائدة في تقديم المساعدة التنموية الرسمية للدول النامية، وتنفذ برنامجها للمساعدة الإنمائية من خلال الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية. كما تعد الكويت جهة مانحة رئيسية للمساعدات الإنسانية ومشاركة في عدد من مؤسسات التنمية الإقليمية والدولية[10].

أثناء الأزمات على غرار أحداث الغزو لم تتوقف المساعدات الكويتية الخارجية التي على الرغم من ذلك استمر تدفقها من أجل زيادة كسب التأييد والوقف الى جانبها خلال حرب التحرير. وأظهرت المساعدات الكويتية الخارجية مردودا على مستوى حشد التأييد الدولي وعلى مستوى تعزيز الاستقرار الاقليمي والداخلي لكن ثمارها وتأثيراتها الإيجابية على الوضع الاقتصادي الداخلي تعتبر محدودة.

وحازت الكويت على اعتراف دولي واضح بدورها في مجال المساعدات الإنسانية من خلال تكريم دولي لأميرها الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بلقب قائد العمل الانساني. كما عززت المساعدات موقف الديبلوماسية الكويتية الإيجابية في العالم وانعكس ذلك حتى على مستوى الأفراد من خلال زيادة الترحيب بالكويتيين وتسهيل الإجراءات أمامهم للتنقل والإقامة وفتح مشاريع.

ارتباط محدود بين المساعدات الخارجية والتنمية المحلية

اعتبر مردود المساعدات الخارجية سلبياً بالنسبة لبعض الدول المانحة والمستفيدة، وبدأت تطرح تحديات حول حجم المساعدات والاطراف المنتفعة والدول المتلقية وطرق ادارتها واستثمارها ومدى نجاعة الأغراض التنموية منها وطريقة تنفيذها والأشخاص المنفذين والرقابة عليها وتقييمها[11].

في السنوات الأخيرة خسرت الكويت جزءا من حصصها التصديرية في بعض أسواق كبار الشركاء التجاريين من العالم المتقدم وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الخسارة يمكن أن تتفاقم في المستقبل مع فقدان النفط لبريقه وضياع الفرص المهدورة خاصة في دول العالم النامي والتي تعتبر أكبر مستفيد من المساعدات الخارجية الكويتية. الا أن استثمار الكويت لهذه المساعدات في خلق فرص استثمارية واعدة في هذه الدول يبقى محدودا ومقيدا بمصالح سياسية أكثر منها اقتصادية.

ولاحقا قد تضطر دول الخليج أسوة بكبار المانحين كالولايات المتحدة والصين الى إعادة النظر في بند المساعدات الخارجية في ظل تقلص إيراداتها النفطية والفوائض المالية. وفي حين أعلنت أغلب الحكومات الخليجية قرارات بالتقشف، بقي بند المساعدات الخارجية غير محسوم، الأمر الذي يفتح باب التوقعات اما تقييد منح المساعدات بشروط تحقيق أولوية مصالح وطنية خليجية اقتصادية أكثر منها سياسية في دول العالم النامي الاكثر استفادة من المساعدات، أو التوجه لتقليص كبير لحجم هذه المساعدات وقتيا لحين عودة تدفق الفوائض المالية الأمر الذي قد ينعكس سلباً على طموحات توسع النفوذ الخليجي في العالم.

كما أسهمت الأزمة الخليجية في تغذية التنافس بين بعض دول المنطقة على الاستثمار في المساعدات الخارجية لتحقيق أهداف تغلب عليها المصالح السياسية أكثر منها أهداف تنموية للداخل الخليجي. وفي حين زادت قائمة الدول المستفيدة من المساعدات الكويتية والخليجية الا أن هذه الزيادة قد تشتت جهود الاستفادة من العوائد المرجوة على المدى المتوسط أو البعيد خاصة في الدول التي تشهد مخاطر أمنية وسياسية عالية.

أهداف وانجازات المساعدات الخارجية الكويتية

في حين اعتبرت الكويت المساعدات المقدمة لدول عربية وغير عربية كآلية لدعم التنمية في هذه البلدان، تعتمدها في الوقت نفسه كآلية لكسب تأييد هذه الدول الممنوحة والوقوف مع الكويت في أوقات الشدة والمحن ولاعتبارات سياسية أخرى[12]. ومن بين أهداف منح المساعدات تمتين العلاقات التعاون وترسيخ المصالح المتبادلة مع كافة البلدان الشقيقة والصديقة بشكل متوازن مع الحفاظ على موقع عدم انحياز في العلاقات الدولية. وتبرز أهداف أخرى كمناصرة القضايا الإنسانية المعاصرة والاسهام في مواجهة المشاكل والكوارث والمحن الطارئة كالكوارث الطبيعية أو الحروب.

ويعتبر الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية الذي تأسس عام 1961 هو ذراع التنمية الخارجية في الكويت. ولم تمارس الكويت طوال عمل الصندوق الضغط على أي دولة لاسترداد أموال ممنوحة كقروض على مر تاريخ انشاء الصندوق، بل تبادر بإلغاء الديون على الدول المتعثرة[13].

وساهمت الكويت حكومة ومؤسسات في التقليص من حدة الفقر في دول عربية وغير عربية بالطرق الرسمية وغير الرسمية. وغلبت على غايات المساعدات الكويتية الى الخارج أهداف إنسانية كتقليص الفقر ودعم التنمية والإغاثة وتمتين العلاقات مع الأشقاء في الدرجة الأولى ومع الأصدقاء في الدرجة الثانية.

وتولي الكويت أهمية كبرى لدعم استقرار دول جوارها من أجل تعزيز مقومات السلام والامن وعدم تعرض التنمية المستقبلية لهذه الدول او أجيالها القادمة الى عناصر تهديد قد تنعكس سلبا على الداخل الكويتي.

وفي العقد الأخير اعتبرت دول جوار الكويت المتضررة من الصراعات كالعراق وسوريا واليمن أكثر الوجهات التي حازت على أولويات المساعدات الكويتية فضلاً عن استقرار الدعم الكويتي للشعب الفلسطيني سواء داخل الأراضي المحتلة أو في مخيمات اللاجئين.

وعززت الكويت بشكل لافت مستوى الدعم الإنساني لجارتها العراق ودعمت إعادة الاعمار فيها عبر مساعدات رسمية وغير رسمية خلال مؤتمر دولي عقد في الكويت في 2018. كما قدمت مساعدات تاريخية لدعم الشعب السوري خاصة اللاجئين والمتضررين من الصراع الدائر.

وعلاوة على ذلك تسارعت وتيرة المساعدات الكويتية نحو دول عربية بعد أحداث الربيع العربي أبرزها مصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس والسودان ودول أخرى كثيرة تعاني من تدني مؤشرات التنمية. كما تعززت أيضاً المساعدات الكويتية نحو دول أفريقية وآسيوية كثيرة، وهذا التوسع في شبكة المستفيدين من المساعدات الكويتية يمكنه خلق فرص استثمارية واعدة للاستثمارات الكويتية الحكومية والخاصة.

وفضلاً عن هدف تمتين العلاقات مع دول العالم العربي والإسلامي في ظل سياسة التعاون والتضامن المشترك، قد تبرز أولويات أخرى لسياسات المساعدات الخارجية للكويت تعتمد على استشراف تنمية المصالح المشتركة.

وبفضل التزام السياسة الخارجية الكويتية منذ الاستقلال بعدم الانحياز والحياد التام، هدفت من خلال باب المساعدات الخارجية الى دعم مسيرة التنمية وأسس السلام في العلاقات العربية أو الإقليمية أو الدولية.

وتأخذ الكويت في أولويات مساعداتها الخارجية معاناة الدول العربية الأخرى وتطور النمو فيها وتقوم الكويت بدعم التنمية في الكثير منها من خلال انشاء صندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية.

وعلى صعيد آخر، عززت الكويت من أدوات المساعدات الخارجية عبر أدوات اقتصادية شفافة من خلال زيادة الاستثمار في مشاريع تنموية مباشرة على غرار المساعدات الموجهة الى العراق وسوريا واليمن. ومن الممارسات الجيدة أيضاً قيام الحكومة بتمويل المشروعات التي تنفذها الجمعيات والهيئات التي تعمل في الخارج وتدعم بعض المشروعات بقوة في بعض القطاعات وخاصة التعليم والصحة، والإغاثة، وتقوم وزارة الخارجية بدور الوسيط في عمليات تحويل الأموال دولياً، وهو ما يعكس مزيداً من الشفافية والتعاون، مع وجود منظمات الأمم المتحدة كشريك في بعض الحالات[14].

وأصبحت مساعدات الكويت الخارجية تلعب دوراً حاسماً في الاستقرار السياسي من خلال تبني الأفكار والترويج لها كالإيجابية والتعاون والسلام واستيعاب الطاقة البشرية والقوى العاملة ومحاربة التطرف، وتعزيز مشروعات لتصبح بدلاً من مشاريع إغاثة إلى مشاريع تنمية طويلة الأجل، وتطوير أنظمتها التنظيمية والإدارية.

ومثلما باتت المساعدات الكويتية الخارجية تخضع لضوابط أهمها الرقابة وشروط في مقدمتها الشفافية وتحقيق التنمية للدول المستفيدة، قد تدفع تداعيات وباء كورونا الى احداث تغييرات في معايير المساعدات مستقبلاً أسوة ببقية الدول الغنية وكبار المناحين في العالم أبرزهم الصين وأوروبا والولايات المتحدة.

المساعدات الخارجية أداة لتحقيق أولوية مصالح وطنية للدول الكبرى

يتحول العالم الى زيادة ربط المساعدات الخارجية بضوابط ومعايير جديدة كعلاقات (رابح رابح). وعلى امتداد السنوات الأخيرة شهدت المساعدات الدولية الممنوحة خاصة من الدول الغنية لدعم دول العالم النامي وخاصة الفقيرة تراجعاً، حيث انخفضت المساعدات الخارجية من الجهات المانحة الرسمية في 2018 بنسبة 2.7 في المئة عن عام 2017، مع انخفاض حصة البلدان الأكثر احتياجًا[15] وخاصة تلك المساعدات الموجهة نحو الدول التي تشهد صراعات وعدم استقرار سياسي وأمني كدول عربية كثيرة. علاوة على ذلك باتت المساعدات مرتبطة أكثر بمبدأ المصالح الوطنية والتجارية والأمنية.

بالنسبة للبلدان الغنية، ساعدت المساعدات الخارجية في نشر القوة والنفوذ لهذه الدول مع جني عائدات تعود بالنفع على المصالح الوطنية، وقد نجحت دول في الاستثمار في المساعدات الخارجية وأبرزها الصين والنرويج حيث أصبحت المساعدات الخارجية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الوطنية للمانحين[16] كالحصول على تسهيلات لاستثمار شركاتها في الدول المستقبلة للمساعدات فضلا عن تحفيز التبادل التجاري معها.

وبالإضافة للصين التحقت الولايات المتحدة ودول أوروبية من كبار المانحين بركب الدول التي باتت تعتبر المساعدات الدولية استثمارا في المصالح المشتركة ومشروطة بمعايير تحقيق التنمية وتوسع النفوذ.

وشهدت معايير بعض برامج المساعدات الأمريكية للخارج بعض التحولات كاعتماد بعضها منوالا جديدا للاستثمار في المساعدات على أساس تحقيق المنفعة المشتركة الشراكة بينها وبين دول العالم النامي المستفيدة الرئيسية من المساعدات. وقد أثارت التحولات التي يشهدها منوال منح المساعدات الأمريكية للخارج جدلا في الداخل والخارج، حيث أصرت إدارة البيت الأبيض على تغيير مسار المعونات وفق أولوية تحقيق مبدأ “مصالح أميركا أولا”.

وفي حين رفض الكونغرس الأميركي تخفيضات مقترحة من الإدارة الأمريكية لمساعداتها الخارجية للدول والمنظمات في العالم، الا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نجح في تخفيض برامج المساعدات الموجهة للفلسطينيين ومنظمتي “اليونيسكو” و”الصحة العالمية” بمبرر دعم الانفاق الداخلي وترشيد أكبر لبند المساعدات الخارجية -خاصة عقب جائحة كورونا- على أساس قوي قائم على المصالح التجارية والأمن القومي وأولويات الاهتمامات الإنسانية[17].

فعلى سبيل المثال تتبع “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية” (USAID) نموذجًا جديدًا لصرف المساعدات يعتمد على التنمية ويركز على الشراكة مع مجموعة متنوعة من الشركاء لإنشاء حلول مبتكرة وفعالة من حيث التكلفة وموجهة نحو تحقيق النتائج. وبات النموذج الجديد لمنح مساعدات الوكالة يشجع تشريك القطاع الخاص الأميركي للعب دور في حل المشكلات على الصعيد العالمي وخلق فرص جديدة له في الدول المستفيدة من المساعدات وتشجيع فتح الأسواق الجديدة لتحفيز سلاسل التصدير والتوريد.[18]

خيارات تقلص المساعدات الخارجية

تعتمد عادة المساعدات الصادرة سواء من الحكومة الكويتية عبر (وزارة الخارجية الكويتية) أو من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية أو الصادرة من جهات غير رسمية كالجمعيات خاصة الهلال الأحمر والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية وهيئات أخرى على الفوائض المالية المحققة من طفرة أسعار النفط. وفي ظل مستويات مرتفعة ومحتملة من التقشف التي تواجهه الحكومة الكويتية في المدى القريب نتيجة ضبابية حركة أسعار النفط مستقبلاً، قد يطال بند المساعدات الخارجية في ميزانية الحكومات المقبلة احتمالات زيادة الترشيد أو إعادة توجيه جزء من الأموال المخصصة للمساعدات الخارجية نحو الداخل، خاصة وأن المساعدات المالية الموجهة للداخل الكويتي محدودة[19].

وعلى صعيد آخر، تقلصت بعض المبررات التي طالما اعتمدتها الكويت سابقا لزيادة الانفاق على المساعدات الخارجية. فالمشاكل الداخلية والتهديدات الخارجية لطالما بررت نمو المساعدات الكويتية الخارجية في مرحلة سابقة من أجل تعزيز موقع البلاد ومكانتها الاستراتيجية[20] في العالم وتمتين صداقاتها وتوسيع استثماراتها في الخارج، وهو ما قد يمكنها في النهاية من زيادة الانفتاح على الاقتصاد العالمي بسلاسة وتعزيز الشراكات الدولية وكسب نفوذ اقليمي ودولي أكبر. لكن مبرر التهديدات بدأ يفقد زخمه تدريجيا. فنظرا لتحسن موقع الكويت في مؤشر السلام الدولي، لم تعد البلاد تواجه حدة التهديدات الخارجية بنفس الوتيرة التي كانت عليها في السابق نتيجة رصيد الديبلوماسية الإيجابية وبلوغها “صفر توتر” مع أغلب دول العالم، وهذا التحول الإيجابي في السياسات الخارجية الكويتية قد يصبح دافعاً نحو تغيير قواعد وتوجهات وأولويات الاستثمار في المساعدات الخارجية لتقوم على أساس مصالح مشتركة أكثر منها اعتبارات سياسية وأهداف مرتبطة بكسب تأييد أو ردع مخاطر.

وعادة ما لجأت الكويت نتيجة للتهديدات وارتفاع المخاطر لتعزيز علاقتها الدولية لحماية مصالحها. ومنذ فترة ما قبل الاستقلال مرت الكويت بمشاكل داخلية وتهديدات خارجية دفعتها الى اتفاقيات كثيرة بدأت باتفاقية حمائية بريطانية لحماية مصالحها والمحافظة على كيان الدولة مروراً باتفاقية دفاع مشترك مع دول مجلس التعاون الخليجي عقب الحرب العراقية الإيرانية وصولاً الى الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة عقب الغزو العراقي. وخلال كل هذه الفترات حافظ مسار مساعدات الكويت الى الخارج على نسقه التصاعدي لزيادة كسب تأييد ونفوذ إقليمي ودولي.

زيادة ارتباط مصالح الكويت بالقوى العظمى تقلص من عائداتها المرجوة من المساعدات الخارجية للدول النامية

لطالما وضعت الكويت في سياساتها الخارجية أولوية قصوى للعلاقات العربية والدولية وتقدم العلاقات العربية والإقليمية على أولوياتها الخارجية. الا أن استراتيجية السياسات الخارجية شهدت تحولات تدريجية خلال العقدين الماضيين مع رصد زيادة تحالفات الكويت مع القوى العظمى والكيانات الإقليمية في العالم.

ولا تستفيد الكويت بشكل مثالي من تدفق مساعداتها الخارجية لا على مستوى توسع مصالحها الاقتصادية او على مستوى زيادة النفوذ في الدول المستفيدة من هذه المساعدات وخاصة دول العالم النامي. اذ بقيت خارطة استثماراتها الخارجية في دول العالم النامي محدودة مقارنة بمناطق أخرى.

وهيمنت القوى العظمى على خارطة توزيع استثمارات الكويت في مقابل حصة محدودة للدول النامية وهو ما يعكس نمو ضعيفاً للمصالح الكويتية الاقتصادية والاستثمارية والتجارية في الدول المستفيدة من مساعداتها.

وشهدت استراتيجية الاستثمارات الخارجية للكويت تغييرات لا تنسجم مع مسار توزع المساعدات، حيث تبيّن أن الولايات المتحدة الأميركية تستحوذ على النسبة الكبرى من إجمالي استثمارات الصندوق السيادي الكويتي، بحجم يصل إلى نحو 350 مليار دولار من إجمالي استثمارات الصندوق التي تراجعت قيمتها الى نحو533.6 مليار دولار[21]. وتأتي أوروبا في المرتبة الثانية، بإجمالي استثمارات تجاوزت في الآونة الأخيرة 150 مليار دولاراً. وتأتي اليابان ودول آسيا بشكل عام في المرتبة الثالثة من حجم استثمارات الصندوق السيادي الكويتي بنحو 60 مليار دولار، وغالبيتها في شركات كبرى تعمل في قطاع السيارات والتكنولوجيا. أما الشرق الأوسط، فيأتي في المرتبة الرابعة، بعدما انخفضت استثمارات الكويت هناك لتصل إلى نحو 40 مليار دولار بسبب تقلص الجدوى.

وعلى صعيد متصل، تغيرت خارطة التوزيع الجغرافي لاستثمارات الكويت الخارجية التي تديرها الهيئة العامة للاستثمار الكويتية نتيجة التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة ودول كثيرة خلال السنوات الأخيرة. هذا التغيير شمل أماكن ونوعية الاستثمار من أجل تقليص درجة الانكشاف على المخاطر المحدقة كالتوترات الجيوسياسية والحرب الاقتصادية بين أكبر دول العالم اقتصادياً وصولاً لزيادة النظرة المقلقة حول تداعيات وباء كورونا على البيئة الاستثمارية في دول عديدة خاصة النامية منها والتي تشهد عدم استقرار.

استنتاجات:

في حين قلصت دول مانحة مساعداتها الخارجية من أجل ترشيد الانفاق وأخرى قيدت المساعدات بشرط تحقيق مصالح وطنية، قد تصبح دول الخليج أيضاً وفي مقدمتها الكويت والتي تصنف من كبار المانحين للمساعدات الإنسانية والقروض الخارجية في العالم أمام خيارات مستقبلية مصيرية حول مسار المساعدات في ظل تداعيات كورونا التي قلصت من الإيرادات والفوائض المالية لدول مجلس التعاون.

ويفرض الواقع الجديد زيادة اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي بأولويات تحقيق مصالح وطنية اقتصادية أكثر منها إقليمية سياسية تمكن من تحقيق إيرادات جديدة بديلة على النفط وتحافظ على ازدهار حياة أجيالها القادمة.

وتقضي هذه الخيارات المتوقعة: اما الإبقاء على استمرار مستوى تدفق المساعدات الخارجية رغم تراجع الإيرادات النفطية وبدون اعتبار لأولويات تحقيق مصالح وطنية وذلك من اجل تحقيق مصالح سياسية استراتيجية، أو التفكير في تعديل منظومة منح المساعدات وفق للتحولات الجديدة وأسوة بكبار المانحين على غرار الولايات المتحدة والصين ودول أوروبية التي باتت تستثمر في المساعدات لأجل تحقيق أهداف ومصالح مشتركة مع دول العالم النامي والأكثر فقرا.

وقد تضطر الكويت كإحدى دول مجلس التعاون الخليجي وبين الدول الأكثر سخاء في منح المساعدات الخارجية الى خيارات مفتوحة أيضا اما المحافظة على نسق المساعدات مهما كانت المتغيرات او الاضطرار للترشيد البراغماتي وفق أولويات المصالح، فضلا عن فرضيات اعتماد منوال جديد للمساعدات على غرار دول كثيرة يقوم على استثمار المساعدات داخل البلاد.

وقد يكون العائد محدودا على الاستثمارات أو المساعدات الكويتية الخارجية في الدول غير المستقرة أو تلك المهددة بالصراعات خاصة في العالم العربي.

وقد بينت الدراسة زيادة انكشاف استثمارات الكويت أمام مخاطر اقتصادية وسياسية دولية وإقليمية أهمها تذبذب اسعار النفط وتقلص حركة الاستثمارات والتجارة وزيادة توقعات صراعات إقليمية ودولية متعددة الأقطاب على الهيمنة السياسية وبسط النفوذ فضلا عن تنافس محتدم على المصالح الاقتصادية وسياسات الحمائية التجارية.

وفي ظل الأزمات التي قد تعصف بدول كثيرة، قد تعتمد استثمارات الكويت الخارجية أكثر على استراتيجية تحوّطية من مخاطر تداعيات وباء كورونا خاصة على مستوى الاستقرار الاجتماعي والسياسي. وبالتالي فقد تصبح الكويت مدعوة لإعادة تقييم الأهداف المرجوة من مساعداتها الخارجية في ظل تحول سياستها المالية الداخلية التي باتت اعتماد على التقشف والترشيد وحسن إدارة المال العام وربط سياستها الخارجية بالمصالح الوطنية.

في حين أنفقت الكويت مليارات الدولارات في المساعدات الخارجية لكسب تأييد دولي يدعم سياساتها الخارجية ويجنبها تهديدات خارجية، قد تتقلص مثل هذه المساعدات مستقبلاً تحت ضغط التقشف الحكومي. كما تقلصت احتمالات المخاطر الخارجية التي تهدد الكويت والتي كانت في السابق احدى المبررات غير المعلنة لسخاء للمساعدات الحكومية.

 

 

 

المصدر: مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث (csrgulf)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp us
إغلاق
إغلاق