محليات

ارتفاع قياسي لأمراض الجهاز التنفسي في الكويت بسبب تلوث هوائي

(csrgulf): زادت نسبة تلوث الهواء الخارجي والداخلي في الكويت بشكل مقلق.

وبسبب ذلك زادت المشاكل المرتبطة بالتنفس والالتهابات الرئوية بنسبة 94 في المئة منذ 2007.

وقفز مرض التهاب الجهاز التنفسي في العشر سنوات الماضية الى مرتبة ثالث الأعراض المتواترة والمزمنة في الكويت والتي تهدد صحة الانسان وخاصة الأطفال.

ومن المتوقع أن تزيد حدة نسبة تلوث الهواء في الفترة المقبلة في ظل طول فترات الجفاف وقلة الأمطار في فصل الشتاء. والمقلق أكثر زيادة عوامل تلوث الهواء بسبب تدهور بيئي مرصود على الرغم من جهود حكومية وتشريعات محدودة لمكافحة الظاهرة.

وفضلاً عن عامل زيادة زحف التصحر والتوسع العمراني والأنشطة الصناعية، تم رصد زيادة انبعاثات غازات سامة من مخلفات ملايين الأطنان من النفايات تؤثر على جودة الهواء.

وجراء تغيرات بيئية يتحمل الانسان جزء منها، ارتفعت مستويات انتشار مزيج من المواد الكيميائية والجسيمات والمواد البيولوجية التي تتفاعل في الهواء مع بعضها البعض لتشكيل جزيئات خطيرة صغيرة.

وقد نجم عن مثل هذا التلوث تسجيل زيادة غير مسبوقة لإصابات الجهاز التنفسي كالربو والالتهابات التنفسية وأمراض مزمنة مع زيادة الاقبال على الاستشفاء خاصة بين الأطفال وكبار السن.

ويمثل تطور نسق التلوث الهوائي خطرا حقيقياً قد يسبب زيادة الوفيات المبكرة.

وحسب دراسة خلص اليها فريق بحثي في مركز الخليج العربي للدارسات والأبحاث (CSRGULF)، فان دول الخليج بما فيها الكويت ستواجه وتيرة متسارعة لتدهور بيئي مقلق قد تظهر بشكل أوضح أعراضه وتداعياته الصحية على حياة الانسان والحيوان على المدى المتوسط خلال 15 عاماً المقبلة إذا لم ترتقي الجهود الحكومية والتشريعات البرلمانية لمواكبة التغيرات وتقليص عوامل تلوث الهواء.

وعلى الرغم من محدودية المعلومات المتوفرة وقاعدة بيانات تحديث مؤشرات متابعة إدارة رصد جودة وتلوث الهواء في الكويت، الا أن الدول الصغيرة مثل الكويت تواجه تحديات زيادة تركز ملوثات الهواء والبيئة[1] وخاصة انبعاثات الغازات السامة سواء من مرادم النفايات أو الأنشطة البشرية والاقتصادية.

وعلى صعيد آخر، قد يصبح ارتداء (كمامات) ضرورياً أكثر مستقبلاً، خاصة عند حدوث عواصف رملية وموجات غبار متوقع زيادة نشاطها في الأشهر المقبلة، توازياً مع زيادة مرجحة لنشاط الرياح وحملها لكميات أكبر من أتربة ناجمة عن تفتت التربة بسبب تأثر طبقاتها السطحية بطول فترات درجات الحرارة العالية على مدار السنة في الكويت. وتحذر الدراسة بناءً على مؤشرات رصد متغيرات البيئة الخليجية، من مستقبل بيئي غير مطمئن في منطقة الخليج في ظل زيادة النمو السكاني الذي ينتشر في أجزاء كبيرة من الأرض، مترافقًا مع قلة المساحات الخضراء بالإضافة إلى شح المياه الجوفية وارتفاع درجة الحرارة، وكل ذلك دلالات على التغير المناخي الناجم عن ظاهرة الاحتباس الحراري[2] والتصحر.

انخفاض جودة الهواء ودعوة لخطة طوارئ صحية

دقت منظمة الصحة العالمية ناقوس الخطر بدعوة الكويت لتحسين قدرتها على التأهب لحالات الطوارئ والاستجابة[3] للتحديات البيئية وتداعياتها على صحة الانسان والمتمثلة خاصة في الأمراض التنفسية والأوبئة.

وقد حذرت أيضا منصة عالمية “IMAT” تقدم تحديث بيانات حول المخاطر الصحية في دول العالم للمسافرين، في بياناتها على موقعها، من زيادة تلوث هواء الكويت اعتمادا على بيانات منظمة الصحة العالمية، وذكرت في بيانها[4] أن الكويت تسجل وجود تركيزات عالية جدًا من المادة الجسيمية (PM10) مما يساهم في انخفاض جودة الهواء.

وحسب استعراض مؤشر تلوث الهواء في الكويت فقد ارتفع متوسط التعرض السنوي للجسيمات الملوثة للهواء PM2.5  من 56 ميكرومتر[5] في 2018 الى 61 ميكرومتر[6]  في 2019 وبذلك فاقت نسبة مستويات التلوث بهذه الجسيمات PM2.5  المعدلات التي وضعتها منظمة الصحة العالمية للمتوسط السنوي البالغ 10 ميكرومتر لكل متر مكعب.

وتضم منطقة الشرق الأوسط والخليج بعض المدن والبلدان التي لديها أعلى مستويات PM2.5، حيث تتجاوز المنامة ومدينة الكويت ودبي المعدلات السنوية لمنظمة الصحة العالمية بأكثر من 5 مرات[7].

ويعد تركيز الجسيمات (PM) مؤشرا رئيسيا لجودة الهواء.

ويتم استخدام حجمين من الجسيمات لتحليل نوعية الهواء:

جزيئات دقيقة يبلغ قطرها أقل من 2.5 ميكرون أو PM2.5 وجزيئات خشنة يبلغ قطرها أقل من 10 ميكرون أو PM10. وتكون جزيئات PM2.5 أكثر أهمية لأن صغر حجمها يسمح لها بالولوج بعمق إلى الجهاز التنفسي.

وتشمل الأعراض قصيرة المدى الناتجة عن التعرض لتلوث الهواء حكة العيون والأنف والحنجرة والصفير والسعال وضيق التنفس وآلام الصدر والصداع والغثيان والتهابات الجهاز التنفسي العلوي (التهاب الشعب الهوائية والالتهاب الرئوي).

كما أنه يؤدي إلى تفاقم الربو وانتفاخ الرئة. وتشمل الآثار طويلة المدى سرطان الرئة وأمراض القلب والأوعية الدموية وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة والحساسية النامية. ويرتبط تلوث الهواء أيضًا بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية[8].

التلوث الهوائي سبب رئيس في زيادة الإصابات بالأمراض التنفسية والأوبئة

زادت المشاكل المرتبطة بالتنفس والالتهابات الرئوية بنسبة 94 في المئة منذ 2007[9].

وقفز مرض التهاب الجهاز التنفسي في العشر سنوات الماضية الى مرتبة ثالث الأعراض المتواترة والمزمنة في الكويت والتي تهدد صحة الانسان وخاصة الأطفال.

وزادت أعراض مرض (الربو) في الكويت بسبب زيادة تلوث الهواء الخارجي والداخلي.

حيث تم تسجيل ارتفاع تشخيص معدلات التهابات الجهاز التنفسي عند الأطفال[10].

ومع ذلك، فقد زاد عدد حالات دخول المستشفى لدى البالغين الكويتيين الشباب المصابين بالربو[11].

  وحسب احصائيات رسمية في الكويت في 2018، ارتفعت معدلات الإصابة بين الشباب الى 15 في المئة وعند الأطفال بنحو 18 في المئة وأغلب الأسباب مرتبطة بتلوث الهواء[12].

وقد أثبتت أبحاث علمية ميدانية في الكويت، علاقة زيادة مرضى الربو بملوثات الهواء.

وكلما تزداد سرعة الرياح محملة بالغبار أو بترسبات غازات سامة يزيد مستوى المخاطر على مرضى الربو.

كما ان زيادة مستويات الرطوبة لديها ارتباط بزيادة عدد المصابين بالربو.[13]

وتزيد تحديات تركز نسبة التلوث الهوائي في الدول والجزر الصغيرة خاصة التي تعاني نقص تنوع بيئي، وتعتبر الكويت بين دول كثيرة في العالم وفي المنطقة عرضة أكثر من غيرها لمخاطر التلوث الذي يمكن أن يضر بصحة الانسان في المستقبل وخاصة بجهاز التنفس والمناعة.

عوامل مرتبطة بتغيرات بيئية

زادت نسب التصحر في الكويت ومحيطها الجغرافي بسبب عوامل مباشرة لزيادة متوسط الحرارة وطول فتراتها، في حين التهم التوسع الاقتصادي والعمراني مساحات واسعة مقابل محدودية جهود تلطيف انعكاسات الاحتباس الحراري ما يدفع بقوة الى زيادة ارتفاع معدلات احتمالات تلوث هوائي بسبب قلة الأمطار وجفاف التربة وتفتت الطبقات السطحية للتربة وتحولها الى أتربة وغبار مترسب فضلاً عن زيادة انبعاثات الأنشطة الصناعة والنفايات الصناعية السكنية في ظل نمو سريع لعدد السكان وتمركزهم في مساحات ضيقة.

وتعتبر الكثافة السكانية الفعلية في المناطق المبنية في الكويت لكل كيلومتر مربع أعلى بعدة أضعاف من الرقم المسجل، ويتم حسابها بقسمة مجموع السكان على مساحة سطح البلاد.

وأدى ارتفاع الكثافة السكانية توازيا مع نمو متسارع لأسطول السيارات الشخصية إلى الازدحام والتلوث، مما أثر سلبًا على صحة السكان[14].

وتتمثل المشكلات البيئية الحالية في تلوث الهواء والبحر والأرض المستمر منذ الغزو العراقي لعام 1991.

وتنبع العديد من المخاوف البيئية مثل تلوث الهواء والنفايات الناتجة عن الشركات والمؤسسات والاستهلاك المفرط للأغذية والمنتجات والطاقة فضلاً عن الاستخدام المفرط للسيارات.

وتشكل القوانين البيئية المحدودة والقدرة المؤسسية الضعيفة وتدابير الرصد والمراقبة البيئية عوائق أمام تحسينات بيئية مستدامة[15].

وفي هذا الصدد، تبرز محدودية حل مشكلة إدارة حجم ضخم بالملايين للنفايات الصناعية والبشرية في الكويت والتي يخلف تحللها عبر الزمن تسرب غازات ملوثة للهواء.

انبعاثات غازات مرادم النفايات

تعد الكويت من بين أعلى مولدات النفايات للفرد في العالم[16].

وأحصت بعض الدراسات أكثر من 2 مليون طن من النفايات الصلبة سنوياً ناتجة في مختلف القطاعات في الكويت[17].

وتعد مستويات الانفاق الفردي المرتفعة على الاستهلاك والنمو الاقتصادي السريع عاملاً رئيسياً وراء توليد نفايات عالية للغاية حسب الفرد من 1.4 إلى 1.5 كجم يوميًا[18].

وتعتبر طريقة التخلص من النفايات الصلبة السائدة في الكويت هي دفنها في مرادم ومكبات النفايات.

وعلى الرغم من صغر مساحتها، تمتلك الكويت عددًا كبيرًا من المرادم.

حيث هناك نحو 18 موقعاً[19]، منها 14 موقعًا مغلقا و4 مواقع لا تزال تعمل. هذه المرادم يعتقد أنها تسبب مشاكل صحية وبيئية خطيرة.

ونظرا لتكديس كميات هائلة من القمامة، تولد مواقع مرادم النفايات كميات هائلة من الغازات السامة (الميثان وثاني أكسيد الكربون وما إلى ذلك) خاصة عندما تتعرض للحرق مثل إطارات السيارات.

وبسبب التطور الحضري السريع، توسعت المناطق السكنية إلى أطراف مواقع المرادم، مما يتسبب في خطر متصاعد على الصحة العامة[20].

وتنجم الانبعاثات الغازية عن التحلل العضوي أو حرق نفايات المرادم.

الميثان، وكبريتيد الهيدروجين، وثاني أكسيد الكربون، والهكسان هي أيضًا ملوثات شائعة تنتجها مناطق مرادم النفايات التي يمكن أن تلوث المياه الجوفية والهواء والتربة[21].

ولمواجهة هذه التحديات تدخلت الحكومة لوضع خطة لترشيد إدارة النفايات ومشروع لتقليص مخاطرها الصحية عبر آلية إعادة التدوير.

محدودية تحديث الإطار القانوني لإدارة النفايات

قد تتسبب محدودية تحديث الإطار القانوني الحالي لإدارة النفايات في الكويت في كارثة بيئية وصحية مستقبلية.

اذ على الرغم من اعتماد خارطة طريق لتطوير إدارة النفايات وإقامة مشروع بالتعاون مع جهات أجنبية، الا أن ملايين الأطنان من النفايات المدفونة أو المهملة في مرادم مغلقة الضخم لا تستجيب لمواكبة التوسع العمراني والسكاني السريع في الكويت.

حيث باتت مناطق عمرانية تزحف مقتربة من مرادم أو مدافن النفايات.

الى ذلك والى حين استكمال مشروع ترشيد إدارة النفايات، برز خطر بيئي كبير يتمثل في تأثر مرادم النفايات بالتغيرات المناخية خاصة الامطار والحرارة المرتفعة، وتزيد مخاطر تسربات غازية سامة ناجمة عن ذلك.

تبلغ مساحة الكويت الإجمالية نحو 17،820 كيلومتر مربع، منها أكثر من 18 كيلومتر مربع تشغلها مرادم النفايات[22].

وتتراوح مساحة مواقع المكبات من عشرات إلى مئات الهكتارات مع عمق ترسب النفايات يتراوح من 3 إلى 30 متر.

ويتم إلقاء جميع أنواع النفايات، بما في ذلك النفايات البلدية، ونفايات الغذاء، والنفايات الصناعية، والبناء وهدم الحطام وغيرها في هذه المواقع.

ويتم إرسال حوالي 90 في المئة من النفايات المنزلية إلى مرادم النفايات.

وعلى مر السنين، كانت معظم المرادم في الكويت محاطة بالمناطق السكنية والتجارية بسبب التنمية الحضرية على مر السنين.

وتعتبر خاضعة لرقابة محدودة من قبل موظفين مدربين تدريباً سيئاً، مما أدى إلى تحويل مرادم القمامة لمسببات الأمراض والغازات السامة والحرائق التلقائية.

وتم الاضطرار الى غلق معظم مواقع المرادم، بسبب طرق التخلص غير المناسبة والمخاوف المتعلقة بالصحة العامة والبيئة مما يعرض حياة مئات الآلاف من الناس للخطر[23].

وقد تم إغلاق معظم مواقع المرادم لأكثر من 20 عامًا بسبب مشاكل التشغيل والقرب من المناطق السكنية والتجارية والصناعية الجديدة.

وتشمل هذه المواقع الصليبية وكبد والقرين والشعيبة وجليب الشويخ وغرب اليرموك وعفراء وغيرها.

وقد برز تلوث المياه الجوفية كمشكلة خطيرة ناجمة عن المرادم لأن المياه الجوفية تحدث في أعماق ضحلة في جميع أنحاء البلاد.

ولتلطيف الآثار البيئية السلبية على غرار انبعاثات وتسربات غازات مخلفات النفايات في الهواء، تعمل مؤسسات محلية مع متخصصين أجانب في مشروع يهدف لتقليص المخاطر البيئية لإدارة النفايات المتضخمة.

الا ان حجم النفايات الكبير خاصة ضمن المرادم المغلقة منذ سنوات قد لا يستوعبه مشروع واحد بل يتطلب جهودا حكومية بالتعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدن والتوعية لبلوغ الأهداف المنشودة.

ويتكون مشروع ترشيد إدارة النفايات في الكويت والذي تقوده المؤسسة الألمانية (فرونهوفر) من أربعة مراحل أعلنت عنها وتنتهي في 2021[24].

الا أن المشروع يواجه تحديات كثيرة لعل أبرزها حصر النفايات البلدية والتجارية والصناعية، وفحص نفايات البناء والنفايات الزراعية ونفايات المستشفيات ومياه الصرف الصناعي والمجاري من حيث الحجم والتركيب والمصادر وطرق التخلص منها.

ولتحليل هذه النفايات تعمل المؤسسة الألمانية على استكشاف مدافنها في البلاد فيما يتعلق بمدى تراكمها وتحللها واحتمالات الخطر على البشر والبيئة، ولذلك تم بناء محطة الفرز في مكب الجليب.

ويتم دراسة غازات المرادم وكميات المياه المتسربة، علاوة على ذلك، يتم إجراء التحقيقات الجيوفيزيائية، وأخذ عينات من النفايات[25].

وفي انتظار وضع خطة وطنية لإدارة النفايات لدولة الكويت، تؤكد المؤسسة الألمانية ضرورة تحديث الإطار القانوني المتعلق بإدارة النفايات وإعادة تدويرها ومعالجة مرادمها على مدار العشرين عامًا المقبلة[26].

المصدر: مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث (CSRGULF)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى