تقارير

مكفّرٌ للذنوب وتفريج للكروب.. لكثرة الاستغفار كنوز ثمينة لا تتركها

 

تعريف الاستغفار

ينسجم تعريف الاستغفار في اللغة مع مفهومه في اصطلاح الفقهاء؛ ففي اللغة يأتي الاستغفار بمعنى الطّلب، أي طلب العبد المغفرة من ربّه عز وجل، سواء كان ذلك بالطّلب عن طريق القول، أو عن طريق الفعل، والمغفرة في لغة العرب هي السّتر، والاستغفار عند الفقهاء:

هو توجّه العبد إلى الله -تعالى- قاصداً إيّاه ليغفر له ذنوبه ويتجاوز عن سيّئاته، ومقصود الاستغفار التّجاوز عن ذنوب العبد، وعدم مؤاخذته بها بترك توبيخه وعقابه دون مساءلة له، أو بالعفو عنه بعد إقراره بالذّنب، وذهب بعض المفسرين إلى أنّ الاستغفار قد يقصد به الإسلام، ومنه قوله تعالى: (وَما كانَ اللَّـهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرونَ).

أهمية الاستغفار وآثاره

تعود توبة العبد واستغفاره عمّا ارتكب من أخطاءٍ في حياته بفوائد جليلة وآثارٍ عظيمةٍ تنفعه وتقوّيه في نفسه وحياته، ويُذكر من فوائد وآثار الاستغفار ما يأتي:

[٣] نيل القرب من الله -تعالى- وكثرة التّعلق به، فكلّما انشغل المسلم بذكر الله زاد قُربه منه.

تفريج الكرب وانشراح الصدور، وذهاب الهموم والغموم.

سببٌ في دخول جنّات النعيم والتمتع بما أعدّ الله -تعالى- لأهلها.

سببٌ في صفاء القلب ونقائه، والشعور بالراحة والطمأنينة.

مكفّرٌ للذنوب؛ فالإكثار من الاستغفار والمداومة عليه من أسباب مغفرة صغائر الذنوب وكبائرها إن تحقّقت شروط التوبة أيضاً، علماً أنّ آراء العلماء قد اختلفت في هذا الأمر على النّحو الآتي:

[٤] القول الأول (الشافعية):

ذهبوا إلى القول بأنّ الاستغفار إن كان مقصد العبد فيه الانكسار والافتقار دون التوبة يكفّر صغائر الذنوب لا كبائرها.

القول الثاني (المالكية والحنفية والحنابلة):

ذهبوا إلى القول بأنّ الاستغفار دون التوبة يكفّر جميع الذنوب، فتشمل الكبائر والصغائر.

سببٌ في دفع البلاء الّذي قد يصيب العبد، وطريق لحلّ المشكلات التي تواجهه، والتّغلب على الصعوبات التي تعترضه في حياته.

[٥] نوعٌ من أنواع الدعاء، وحكمه في ذلك حكم الدعاء؛

فالمسلم وهو يستغفر يطلب من ربه -عز وجل- مغفرة ذنوبه، وكلما رافق ذلك الشعورَ بالانكسار والافتقار والتّذلل بين يدي الله تعالى كلمّا كان أرجى لإجابة دعائه، لا سيما إذا تحرّى مواطن الإجابة وأوقاتها.

[٥] الاستغفار سبب في نزول الغيث وبركة المال وإنبات النبات، قال تعالى:

(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا)،

[٦] إضافة إلى أنّه سببٌ للإمداد بالقوّة والمنعة،

قال تعالى: (وَيا قَومِ استَغفِروا رَبَّكُم ثُمَّ توبوا إِلَيهِ يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدرارًا وَيَزِدكُم قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُم وَلا تَتَوَلَّوا مُجرِمينَ).

[٧][٨] سببٌ في استحقاق ونيل رحمة الله تعالى،

قال تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

[٩][١٠] سببٌ في تكفير الأخطاء الّتي قد تحصل في المجالس بسبب الحديث الذي يدور فيها، ولزوم الاستغفار بعد كلّ مجلسٍ يُكفر ما بدر منه من سوء.

[١٠] سببٌ في النجاة من النار، وفي المقابل نيل الدرجات الرفيعة في الجِنان

أسباب عدم تحقق آثار الاستغفار

قد يستغفر العبد كثيراً ويتساءل ويتعجبّ إن لم يجد أثراً لاستغفاره في حياته، والحقيقة أنّ غياب آثار الاستغفار له أسباب عدّة، وفيما يأتي ذكر لبعضها:

[١٢] التّلفظ بصيغ الاستغفار بالقول فقط دون استشعار معناها في القلب، وعدم الحرص على الصدق فيها، فيكون الاستغفار مجرّد كلامٍ يُتلفّظ به دون رغبةٍ صادقةٍ في العودة إلى الله -تعالى- والتوبة.

عدم تحقّق جميع شروط الاستغفار، فالاستغفار شكل من أشكال كالدعاء كما سبق الإشارة إلى ذلك، وهذا يعني أنّ للاستغفار شروطٌ وموانعٌ، فإذا اختّلت شروطه انتفى أثره.

عندما يكون العبد قاصداً باستغفاره معنى التّوبة عن المعاصي المرتكبة، فلا ينفع حينها الاقتصار على الاستغفار باللّسان، بل وجب في حقّه تحقيق شروط التّوبة الصّحيحة، ومنها الاقرار بالذّنب.

حكم الاستغفار

إن الأصل في الاستغفار الندب والاستحباب، لأنه قد يكون في غير معصية، قال سبحانه: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)،[١٤]

وقد ينتقل حكم الاستغفار إلى الوجوب كاستغفار المسلم عند ارتكابه للمعصية، وقد يكون مكروهاً كما يرى المالكية في حقّ من يستغفر للميت خلف الجنازة، وقد ينتقل الحكم إلى الحرمة كالاستغفار لمن كان كافراً،[١٥]

ويستحبّ للمسلم أن يكثر من استغفار الله -تعالى- وسؤاله المغفرة والتجاوز عن المعاصي والهفوات التي بدرت منه، وعن الأوقات التي قصّر فيها عن عبادته لله -تعالى- والتقرّب إليه،[١٦]

وتجدر الإشارة إلى أنّ طبيعة النفس البشرية معرّضةٌ للذنوب والأخطاء والسهو، فكان من رحمة الله -تعالى- بعباده أن شرع لهم الكثير من العبادات والأعمال الصالحة التي تقرّبهم إليه، وتجبر النقص الحاصل فيما أدّوا من العبادات والفرائض، وتبدّل سيئاتهم بحسناتٍ، وتزيدهم فضلاً وأجراً،

ومن تلك العبادات:

ذكر الله تعالى، واستغفاره استغفاراً حقيقياً نابعاً من القلب،

ولذلك فعلى المسلم أن يسعى سعياً جادّاً في طلب المغفرة والعفو دائماً من الله تعالى.[١٧]

وينبغي للمسلم عند الاستغفار أن يجاهد نفسه في استشعار معنى الاستغفار في قلبه، حتّى يصل إلى المراد منه في حياته وآخرته، وأما إنْ كان الاستغفار باللسان مع غفلةٍ في القلب فهذا ما يُطلق عليه أهل العلم “توبة الكذّابين”، بل إنّ المالكية عدّوه معصية تُلحق بالكبائر، وذهب بعض فقهاء الحنفية والشافعية إلى أنّه استغفار لا نفع فيه، في حين ذهب الحنابلة ووافقهم بعض الحنفية والشافعية إلى أنّ الاستغفار مع غفلة القلب حسنةٌ يُثاب فاعلها، على اعتبار أنها أفضل من صمت مع الغفلة، ولعلّ حال هذا المستغفر يتغيّر؛ فإذا ألِف اللسان ذكراً أوشك القلب أنْ يألفه.

أوقات وصيغ الاستغفار وقت الاستغفار

شرع الله -تعالى- للمسلم أن يستغفره ويعود إليه في كلّ وقتٍ، وخاصةً بعد ختام الأعمال الصّالحة؛ لجبر النّقص الحاصل فيها، وحين الانتهاء من الصلاة، ويجب على المسلم أن يستغفر الله إن ارتكب أيّاً من المعاصي والآثام، ومن أفضل أوقات الاستغفار وقت السَّحر؛ لقوله تعالى: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).

صيغ الاستغفار ومواضعه

هناك عددٌ من الصيغ التي يمكن أن يستغفر بها المسلم، كما يُمكن للمسلم أن يزيد فيها إن كان قصده الدعاء،[٢٠] ومن صيغ الاستغفار:

سيد الاستغفار،

ويكون بقول: (اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ)،[٢١][٢٢]

ويتضمّن سيد الاستغفار معانٍ جليلةٍ، يُذكر منها:[٢٣]

الاعتراف بأنّ الله هو المستحقّ وحده للألوهية والعبودية.

الاعتراف بأنّ الله الخالق. إقرار المسلم بذنبه وإضافته إلى نفسه.

التوجه الصادق من العبد لله، وإظهار الرغبة في المغفرة وفيما أعدّ الله لعباده، والاعتراف بأنّ الله وحده قادرٌ على ذلك.

الإقرار بأنّ النعم الحاصلة في حياة العبد جميعها من الله.

الاستغفار عند الخروج من بيت الخلاء بقول:

“غفرانك”، رُوي عن أم الؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت: (كان رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- إذا خرَج مِن الخَلاءِ قال: غُفرانَكَ).[٢٤]

حين الانتهاء من الوضوء، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (من توضأَ فقال بعد فراغِه من وضوئِه: سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، أشهدُ أنْ لا إلَه إلا أنتَ، أستغفرُك و أتوبُ إليك، كُتِبَ في رَقٍّ، ثم جُعِلَ في طابعٍ، فلم يُكسرْ إلى يومِ القيامةِ).[٢٥]

حين الانتهاء من المجالس بقول: “سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك”، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (مَن جلسَ في مجلِسٍ فَكَثرَ فيهِ لغطُهُ ، فقالَ قبلَ أن يقومَ من مجلسِهِ ذلِكَ: سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبحمدِكَ، أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا أنتَ أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ، إلَّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مجلِسِهِ ذلِكَ).[٢٦]

عند الدخول إلى المسجد والخروج منه، رُوي عن فاطمة بنت الرسول -رضي الله عنها- أنّها قالت: (كانَ إذا دخلَ المسجدَ؛ صلَّى على مُحمَّدٍ وسلَّمَ، وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج؛ صلى على محمَّد وسلَّم، وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك).[٢٧]

بعد التشهّد الأخير من الصلاة، رُوي عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: (أنَّهُ قالَ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أدْعُو به في صَلَاتِي، قالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، ولَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِن عِندِكَ، وارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)

علاقة الاستغفار بالتوبة

تعريف التوبة

بيّن العلماء المقصود بالتوبة كما يأتي:

التوبة لغةً:

مشتقّةٌ من الجذر اللغوي تَوَبَ، والفعل منه تاب، فيُقال: تاب توبةً، وتعني: عاد عن الشيء، ورجع عن فعله، وندم عمّا قام به، وأناب إلى الله تعالى.[٢٩] التوبة اصطلاحاً:

هي الرجوع والإنابة إلى الله -تعالى- بأداء العبادات والطاعات، والتزام الأوامر وترك المعاصي، والابتعاد عن النواهي التي لا يرضاها الله تعالى، والعزم على عدم ارتكاب المعاصي مرّةً أخرى.

شروط التوبة

حتّى تكون توبة العبد صحيحةً مقبولةً عند الله تعالى؛

لا بدّ أن تتوافر فيها عدداً من الشروط، وهي:[٣٠]

التوقّف عن إتيان الذنب في الفور، والإقلاع عنه تماماً، والابتعاد عمّا يسبّبه؛ لعدم العودة إليه مرّةً أخرى.

اعتراف العبد بأنّ الذي ارتكبه كان ذنباً حقيقياً، واستشعار خطورته، وما سيؤول إليه.

العزيمة الصادقة على عدم العودة لارتكاب الذنب مرّةً أخرى.

شعور العبد بالندم الصادق على ما ارتكبه من معاصٍ وآثامٍ.

ردّ جميع الحقوق إلى أصحابها في حال تعلّقت توبته بحقّ لأحد، وعلى التائب أن يجتهد في ردّ الحقوق والتحلّل من المظالم. إخلاص النية لله -تعالى- في التوبة، وعدم ابتغاء الرياء أو السُمعة فيها.

ضرورة أن تكون التّوبة في الوقت الذي تُقبل فيه، إذ إنّ التوبة لا تقبل من العبد ساعة الاحتضار، ويقصد به حضور الأجل الذي يُسمّى بالغرغرة، كما لا تقبل عند طلوع الشمس من مغربها، لذا كان حرّي بالمسلم المسارعة إلى التوبة كلمّا وقع في معصية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق