التسامح المفقود



التسامح صفة صعبة يفتقدها كثيرون، ولذلك يطلق عليها أحياناً وصف «فن التسامح»، والتسامح هو أحد أهم المداخل للتعايش بين البشر، الذي ينجب الاستقرار والرخاء، ولا ينبغي أن يعتبر عنواناً للضعف، فحقيقة الأمر أنه كلما زاد الإنسان تطرفاً دل ذلك على ضعف واضطراب نفسي.

اختارت الأمم المتحدة 16 نوفمبر يوماً عالمياً للتسامح، يفترض أن تقوم فيه الدول بأنشطة تعزز قيم التسامح، كما ناشد الأمين العام للأمم المتحدة الشعوب والحكومات التصدي للخوف والكراهية والتطرف، عن طريق الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل، مكرراً نداءات قمة سابقة لرؤساء الدول دعت إلى نفس المبادئ والقيم.

إلا أن الأمر يتجاوز الأمنيات والبلاغيات، فنحن نعيش في عالم تدبّ فيه الكراهية كدبيب النمل، وينتشر فيه التطرف كانتشار النار في الهشيم، وتتعدد فيه أنواع ومبررات الكراهية وإلغاء الآخر والتمييز من أسباب عرقية أو عنصرية أو لغوية أو دينية أو مذهبية أو طائفية أو مناطقية أو اقتصادية أو غيرها، فالتمييز هو وعاء الكراهية التي هي عدو التسامح.

ومازالت أدوات التسامح بعيدة عن تحقيق المأمول، في الوقت الذي تتوافر لزعماء الكراهية واللاتسامح موارد غير محدودة، ويتم الاستفادة منها واستغلالها من سياسيين أو طامحين إلى الهيمنة والسيطرة، بينما تتراجع قيمة المتسامحين، الذين قلّما يخلدهم التاريخ.

حالة التشرذم تحتاج إلى عمل جاد ووعي مجتمعي للتصدي لحالة الفرقة والتشظي في المجتمع، والتي يبدو أنها تتفاقم. وباستثناء بعض الدعوات المشكورة لجمعية الإخاء الوطني، ومنها ندوة في الجامعة، وهي بداية طيبة، فإننا بحاجة إلى المزيد.

أقول قولي هذا، وقد وصلت إلى العاصمة الكندية أوتاوا مدعواً لإلقاء محاضرات في الجامعة والبرلمان ومع الإعلام، إلى جانب لقاء تم تنظيمه مع «العرب الكنديين»، وسيكون جزء أساسي من حديثنا عن التسامح وكيف يرونه في الغرب، وكيف يتعاملون معه، غير أن كندا على أية حال لها واقع معقد في مسألة التسامح والانفصال قد نشرحه لاحقاً.

العالم في مأزق خطير، عنوانه حالة التمايز الحادة، والفقر الشرس، والتفاوت الشديد في الإمكانيات، ولذا من المهم أن نبحث بعمق عن علة التسامح المفقود، وكيف بالإمكان إيجاده على أرض الواقع فعلياً من خلال التصدي لأسباب غيابه.
أضف تعليقك

تعليقات  0