كثرة مثل القلة


في نقاش خيّم عليه قلق واضح وهم كبير بشأن مستقبل البلد، كان تجاذب أطراف الحديث بيننا في جلسة محورها إلى أين يتجه البلد؟.. وقد كان بيننا ثلاثة شبان كان سؤالهم الملحّ والواضح: إلى متى سيسير البلد في منحنى الانحدار؟ وهل التفاؤل أم التشاؤم أولى؟ وهل للبلد من صلاح وخروج من دوامة التدهور؟ ومتى سيكون ذلك؟ وهل سيقوم بهذا جيلكم - الذي أوصل البلد إلى ما هو عليه-! أم جيلنا الذي لا ينام بالليل، وغير منتج، ولم يعرف معنى تحمّل المسؤولية؟!

تساؤلات مهمة، كل واحد منها يضع أمامنا حقائق محزنة عن واقع الحال الذي آل إليه البلد، لعل في اثارتها بكل وقت حتى تكون حاضرة في العقول، وتعد مسألة غاية في الأهمية، وقد بادر كل منا للإدلاء برأيه، وأحاول إيجاز تلك الحقائق من وجهة نظري الشخصية:

- ان هناك كثرة لدينا تماما كالقلة، بعبارة أخرى، وكما يقول إخوتنا المصريون «كثرتهم زي قلتهم»، فعدد موظفي الدولة اليوم يتجاوز ثلث المليون موظف، إنتاجيتهم لا تتجاوز الـ%20 أي ان %80.. هم عالة على الوظيفة بسبب البطالة المقنّعة، والتوقيع أو البصمة ثم التسلل للأسواق والمقاهي.

- ان عدد الطلاب في الجامعات ومعاهد التعليم العالي يصل إلى ما يزيد على 100 ألف طالب، حضورهم لا يتجاوز %35 بسبب الغياب الواضح، وربما عدم جدية مؤسسات التعليم العالي وعدد كبير من أساتذتها في الضبط والعقاب، وهو ما ولّد ظاهرة حمَلة شهادات لا طلاب علم.

- ان المواطنين صار عددهم أقل من ثلث السكان، في خلل واضح في التركيبة السكانية، وان العمالة الهامشية من الوافدين نصفها عمالة منزلية، ما يكشف أن هناك بديلا من هذه العمالة عن 3 من بين كل مواطنين، في شؤون البيت تماما مثل شؤون الوظيفة، فالمربية والسائق والطباخ والخادمة أهم من رجل البيت وربة المنزل في معظم شؤون البيت، لأنهما مشغولان غالبا، بأمور الطلعات وتسلية النفس وغير ذلك. والفرّاش والكاتب أو موظف صغير يختم ويوزّع المعاملات، ويسلم ويستلم المعاملات، لأن الموظف في إفطار الدوام أو اجتماع وهمي، فصارت المعاملات تتم ببطء أو بأخطاء أو تؤجَّل، أو لأنك تسمع عند حلول الساعة 12 ظهرا أن الدوام انتهى ومُرّ علينا باجر.

- ان الأمور السابقة وأمثالها، مثل غياب معظم أعضاء مجلس الأمة عن اللجان أو تأخر حضورهم، وجود 10 - 30 وكيلاً مساعداً للوزارة الواحدة والحاجة فقط لاثنين أو ثلاثة، عدم إنتاجية معظم الوزراء، ظواهر الدكاترة بالوكالة في التعليم العالي والمدرس البديل في التربية والطبيب والصيدلي «المناوب» في الصحة، والموظف «السوبر» في العمل اختلالات تؤكد أن الكثرة مثل القلة، وان الإصلاح رغم تكراره بخطب السياسيين هو شعارات رنانة تسقط قبل أن يجف حبر كتابتها أمام الواقع.

فهل تغيير منهج الحكومة حل؟! أم تغيير إزاحة معظم القياديين حل؟! أم سياسة الحزم والعقاب حل؟! أم منع ترشيح السياسيين الحاليين لمجلس الأمة حل؟! أم تجاوز جيلنا بأكمله حل؟! وهل يمكن أن يكون الجيل الأوسط والشباب هم الأمل والحل؟

أنا شخصياً متفائل انه كلما تفاقم السوء والفساد لهذا المستوى، فإن تغيير المنهج آت لا محالة.. وهو قريب.

اللهم إني بلغت،




أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0