تذكيراً وشرحاً لمواقف البعض - 1


? مجاميع التخلف غرست جذور تخلفها عميقاً في المجتمع الكويتي وعياً ونظاماً ومؤسسات

? انقلاب 1976 لم يقتصر على تعطيل الدستور وحل مجلس الأمة كما يتراءى للبعض بل شمل كل مؤسسات وبنى النظام الديموقراطي

? إصلاحات حكومات ناصر المحمد دفعت بالمجاميع القبلية الدينية إلى التحول من الموالاة الشاملة إلى المعارضة الكاملة

التفكير السطحي والبدائي لدى البعض، خصوصاً أتباع المعارضة الجديدة ممن يتطلعون إلى إثبات تفوقها و«حكمتها»، مثل هذا التفكير يقرر أن تعطل التنمية، بالذات في الوقت الحالي، واستمرار الأزمات مع غياب جماعة المعارضة عن الساحة السياسية وتفرد «السلطة» وحيدة بإدارة البلد.. هذا، كما يروجون، دليل أولاً على براءة المعارضة من تعطيل التنمية ومن لعنة التأزيم التي لاحقتها، ودليل أيضاً على عجز الحكومة عن تحقيق هذه التنمية، وبالتالي تأكيد على فشلها في إدارة البلد.

هذا التفكير السطحي، إن سلمنا بسطحيته، يتناسى أن مجاميع التخلف قد غرست جذور تخلفها عميقاً في المجتمع الكويتي، وعياً ونظاماً ومؤسسات. وأن السلطة، حتى وإن تحلّق كل الناس حولها، بحاجة إلى وقت طويل وجهد شاق لتصحيح الأوضاع وللانعتاق من حبال وسلاسل التخلف التي قيّد البعض المجتمع بها طوال السنوات والعقود التي انتهت بتسلم صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد مقاليد الأمور. قلنا إن سلمنا بسطحيته، لأن هذا التفكير أو بالأحرى التبرير قد يكون في الواقع «متذاكياً» يمارس الخداع وتزوير الحقائق بهدف الترويج للمعارضة وتنميق مواقفها.

إن السنوات التي أعقبت حل مجلس الأمة عام 1976 شهدت انقلاباً سياسياً واجتماعياً. هذا الانقلاب لم يقتصر على تعطيل الدستور وحل مجلس الأمة كما يتراءى للبعض، بل شمل التعطيل والعبث كل مؤسسات وبنى النظام الديموقراطي، بل تطاول حتى على وعي الأمة وماهيتها أيضاً. لقد تم تسليم مقاليد الأمور بشكل غير مباشر لمجاميع التخلف الديني والقبلي التي لم تأل جهداً ولم تدخر وقتاً في زرع وغرس مفاهيمها ورؤيتها ومؤسساتها البدائية في كل تراب ووعي الكويت. بحيث تم تحويل وتغيير كثير من المفاهيم والسياسات والمؤسسات المدنية والعصرية وإحلال كل ما يتماشى ويعزز المشاعر الدينية والقبلية محلها.

لهذا، فإنه عندما بدأت حكومات الشيخ ناصر المحمد في إجراء الإصلاحات الأولية البسيطة، مثل وقف عمليات التعدي على أملاك الدولة ومنع الانتخابات الفرعية وانتهاج سياسة الترشيد التي عبرت عن نفسها بقوة في رفض إسقاط القروض والتصدي لمشاريع العطايا ورفض اقتراحات المنح، ومع بدء الإعداد لتنويع مصادر الدخل الوطني، وما يتطلبه ذلك من انفتاح يتعارض ومفاهيم وعقلية المجاميع القبلية والدينية. تم مع بداية هذه الإجراءات «انقلاب» المجاميع الدينية والقبلية من الموالاة الكاملة إلى المعارضة الشاملة. وخرجت لنا معارضة جديدة من رحم الفئات والمجاميع التي كانت في «مخباة السلطة أو كانت السلطة في مخباتهم، الله أعلم». وتم تشكيل المعارضة الجديدة التي كانت مهمتها الأساسية معارضة الإصلاح والتنمية بدعاوى حماية المال العام ووقف الفساد المزعوم في مؤسسات الحكم.

وإن ما يحز في النفس أن بعض القوى الوطنية وكثيراً من الشباب الوطني قد بلع - ربما بقوة ضغط التردي الاجتماعي والسياسي - بلع طعم محاربة الفساد وحماية المال العام، فيما كان الهدف والطموح الحقيقي لمجاميع المعارضة الجديدة هو التصدي للإصلاح ووقف التحولات المدنية والسياسية التي بشر بها العهد الجديد.

إن المؤسف أكثر أن القوى الوطنية والمجاميع الحية والمدنية لا تزال تتوهم أن السلطة أو النظام بمؤسساته السياسية هو المسؤول، والمسؤول وحيداً، عن تردي الأوضاع. بينما الواقع والحقيقية أن أوضاعنا هي نتاج تخلف اجتماعي لا ذنب للسلطة فيه، سوى أنها ركبت في وقت من الأوقات موجته، أو مهدت في وقت من الأوقات طرق زحفه وهيمنته على مؤسسات الدولة. لهذا، فإن الانعتاق من أوضاع التخلف الحالية وإن كان يتطلب، بهذه الدرجة أو تلك، التصحيح أو التشذيب السياسي للسلطة، إلا أنه بدرجة أساسية يتطلب الانقلاب والتصدي بجدية للأوضاع الاجتماعية المتخلفة ودحر الموروث والتقليد القديم أو «الهيمنة» القبلية والدينية التي زرعتها قوى الردة الانقلابية في المجتمع وفي مؤسسات الدولة منذ انقلاب 1976.

هذا مع الأسف ما لم يحدث، وفي الواقع لا يبدو أنه سيحدث، لأن السلطة تبدو في الغالب «قوة» أو مؤسسة خارج ذاتنا وغريبة عنا، خصوصاً في مجتمعاتنا، بل تُفتقد في كثير من الأحوال الحرية وتتحول مؤسسات الدولة وحتى المجتمع إلى أدوات قمع للقوى الشعبية (غير الرسمية). في حين يبدو الموروث والتقليد «منا وفينا»، بل من القدرة الربانية التي يجب ألا تعارض. لهذا يصعب في كل منطقتنا العربية التمرد على السلطة الاجتماعية أو حتى الاعتراض على الاستبداد الذي تمارسه على كل المؤسسات والمستويات. لهذا.. وعوضاً عنه، فإن نظر المعنيين بالسياسة من أحزاب وجماعات عندنا هو دائماً على السلطة السياسية، بهدف إصلاحها أو تغييرها. أي أنه في الوقت الذي يحظى به الموروث والتقليد بالتقديس والاحترام يسعى الكل إلى معاداة السلطات وتحميلها وحيدة وزر التخلف والعجز عن تحقيق التنمية المطلوبة.

(يتبع غداً)


أضف تعليقك

تعليقات  0