«الإعلام الإلكتروني» مشروع مخالف للدستور


إن عقارب الزمن تسير باتجاهها الطبيعي، ودورانها يحمل مضموناً على استمرار الحياة وتقدم الأمم والدول وتطورها، بل إن الإنسان المعاصر اليوم يعيش حالة من الاستقرار النفسي والاطمئنان الاجتماعي، لأنه يدرك أن القانون صار هو المظلة التي تمنحه حقوقه وتمنع أحدا من ظلمه أو التعدي عليه.

بيد أن الأمر في الكويت في شأن حفظ وتعزيز حقوق وحريات الناس يسير، برأيي، بالاتجاه المعاكس وبصورة لافتة، على الرغم من وجود دستور يكفل الحريات، ويقرر ضمانات ممارستها. ولعل المشروع الذي أعلنته الحكومة والخاص بالإعلام الإلكتروني يكشف نموذجاً واضحاً لقوانين لعلها تنتهك الدستور، كما هو الشأن في قانون المطبوعات رقم 3 لسنة 2006، قانون المرئي والمسموع رقم 61 لسنة 2007، ففي الوقت الذي يتبنى الدستور النظام العقابي في اتجاهاته الأساسية وتحديداً في المادتين 36 و37 منه المتعلقتين بحرية الرأي مضمونا وبحرية الوسيط الإعلامي في التواصل مع الآخرين بحق لا يحتاج إلى ترخيص، تأتي المادة 5 من هذا المشروع لتشترط الترخيص في كل أوجه النشاط الإلكتروني تناقضا مع الدستور، بل تتابع مواده حتى 11 وضع ضوابط أخرى تقيد الترخيص أو تبرر إلغاءه. وأخطرها ما ورد في المادة 15 (فقرتي 3 و4) لتبرير إلغاء التراخيص، ثم تأتي حالة شاذة لمراقبة مالية للمواقع الإلكترونية، من خلال تعيين مراقب حسابات، وهو نهج يمثل تدخلاً ينتهك الحقوق الفردية وأساسيات الاقتصاد الحر، وتحديدا ما هو مقرر في المادتين 20 و30 من الدستور، علماً بأن الشكل القانوني للمؤسسة أو الشركة التي قد تتولى ذلك يخضع لمراقبة مالية مهنية صحيحة، من خلال وزارة التجارة، لا يثير شبهة الرقابة الشديدة التي يفرضها هذا القانون.

كما نجد أن المادة 17 جرمت صوراً من الأفعال التي ينبغي ألا تكون تحت طائلة التجريم، لكن هذا الاستغراب يزول، لأن توجهات القانون هي التضييق على حريات البث الإلكتروني، ومن ذلك تجريم إعادة البث أو الإرسال، وهو التداول الطبيعي اليوم في عهد البث والتداول الإلكتروني، ما يعني الحكم المسبق بإنهاء وجود إمكانية لهذه الحرية الأساسية التي صارت مرتبة بسير الحياة.

وأخيراً، فإن المشروع يطغى عليه نفس منح السلطة الإدارية اختصاصات، ينبغي ألا يمارسها إلا القضاء، وعلى وجه التحديد سلطة الوقف أو الإلغاء للترخيص والوارد بعضها في المادة 15 من المشروع.

آمل في أن تتدارك الحكومة ممثلة بوزير الإعلام هذه المثالب، لتصدر قانوناً عصرياً للإعلام الإلكتروني.

اللهم إني بلغت.



أ.د. محمد المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0