خليجي... صح النوم!


لم تعد دول الخليج قادرة على صرف المليارات من الدولارات لإدارة ملفات الغير من خلال التحكم عن بُعد، وتحول هبوط سعر النفط إلى هاجس وقلق داخلي، وحسم الملف النووي الإيراني سيحيّد الأميركان في العلاقات الخليجية– الإيرانية، ولا تستطيع حكوماتنا الاستمرار في الإنفاق العسكري السخي الذي تجاوز 2 تريليون دولار في العقدين الماضيين.

هل صحت دول مجلس التعاون الخليجي من نومها السياسي؟ ومن يتحمل مسؤولية السنوات الأربع الماضية التي حوّلت المنطقة بحكوماتها وشعوبها إلى حالة كئيبة من الاختناق السياسي والتراشق الإعلامي والحقد العربي؟ وكيف "طاح الحطب" بهذه السهولة، فردت المياه إلى مجاريها وبدأت البيانات الجماعية تصاغ من جديد باتفاق عام؟

البيان الختامي لأعمال قمة الدوحة خلص إلى جملة من الإشادات المعتادة، وفي مقدمتها بالصف الخليجي والأحلام والطموحات المنتظرة منذ 35 سنة، وهذا ليس بالغريب، ولكن ما تميز به البيان هو الموقف من مصر وسورية والعراق وليبيا واليمن، وقد أعاد كل هذه الملفات إلى المربع الأول! فأكد وقوف الخليج إلى جانب مصر بقيادة الرئيس السيسي، ودعا إلى دعم العراق في مواجهة الإرهاب، وأكد الحل السياسي للأزمة السورية، وأخيراً وقف القتال واستبداله بالحوار في ليبيا واليمن.

هذه الملفات، بتعقيداتها ونتائجها الكارثية، على شعوب تلك الدول بما في ذلك دعم الإرهابيين بالمال والعتاد والتدريب وتوفير المظلة السياسية والآلة الإعلامية لم تخلُ من بعض الأيادي الخليجية والضوء الأخضر الأميركي، ولم تجنِ تلك الدول سوى القتل والتشريد وهدم معالم المدن والقرى وسكب الزيت على نار الاصطفافات المذهبية والأيديولوجية، أما نجاح مخططات قلب الموازين في المنظومة الإقليمية فلم يتجاوز الصفر!

نأمل بالفعل أن ترفع دول الخليج يدها عن هذه الملفات، ولعلها بالفعل أجبرت على ذلك، فالمواقف السياسية الخليجية الأخيرة كانت انعكاساً مباشراً للسياسة الأميركية الجديدة، وفي ذات الاتجاه، حيث فشلت واشنطن في بسط نموذجها لمستقبل الشرق الأوسط، فمصر فرضت نفسها على الجميع بإرادة شعبها، وروسيا أقحمت دبلوماسيتها للحل السياسي في سورية ومحوره نظام الرئيس بشار الأسد، والعراق فتح صفحة جديدة بين السُّنة والشيعة والأكراد لمواجهة "داعش"، وبات الإرهاب التكفيري محاصراً في كل المواقع التي تمدد فيه ولم يعد يهدد سوى دول الخليج كمحطات جديدة للانطلاق.

من جهة أخرى، لم تعد دول الخليج قادرة على صرف المليارات من الدولارات لإدارة ملفات الغير من خلال التحكم عن بُعد، وتحول هبوط سعر النفط إلى هاجس وقلق داخلي، وحسم الملف النووي الإيراني سيحيّد الأميركان في العلاقات الخليجية– الإيرانية، ولا تستطيع حكوماتنا الاستمرار في الإنفاق العسكري السخي الذي تجاوز 2 تريليون دولار في العقدين الماضيين.

الرسالة الأميركية يبدو أنها وصلت إلى الحكومات الخليجية، ففترة الأشهر السبعة المقبلة للاتفاق النهائي بين إيران والدول الكبرى ليست فقط من أجل تحديد نسبة تخصيب اليورانيوم، بل تشمل إغلاق ملفات سورية والعراق ولبنان واليمن وغيرها وفق رؤية أميركا وحلفائها الغربيين، وبالتفاهم مع إيران، وبعيداً عن الأولويات الخليجية التي بدأت بعض دولها تتسارع إلى بناء قواعد عسكرية لبريطانيا وفرنسا لحماية نفسها.

السنوات الأربع الماضية كانت درساً بليغاً للخليجيين، والدبلوماسية الخليجية الجديدة يفترض أن تُبنَى على التكامل الإقليمي وآمال شعوبها، ثم تنطلق إقليمياً بمنظومة من السياسات المتوازنة للانفتاح على العالم شرقاً وغرباً، ونواة هذه الدبلوماسية قائمة في كل من الكويت وأبوظبي ومسقط، وإذا انضمت إليها بقيمة دول المجلس فستكون قبلة للعالم بمعايير حضارية وإنسانية ومصالح فائقة القوة والتأثير الإيجابي
أضف تعليقك

تعليقات  0