400 مليار دولار خسائر شركات النفط الصخري في أميركا


إنها لعبة شطرنج بكل المعنى بين منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك" وشركات النفط الصخري الأميركية، تواجه فيها ثورة النفط الوليدة أول اختبار حقيقي منذ بزوغها قبل خمس سنوات.

"أوبك" اختارت في اجتماعها الأخير المواجهة وعدم التدخل في السوق وترك أسعار النفط لقوى العرض والطلب، وهو ما نظر إليه محللون على أساس أن "أوبك" بقيادة السعودية ودول الخليج، تحاول "كسر عظم" الشركات المستخرجة للنفط الأميركي.

في هذا الصراع فضلت دول الخليج المنتجة للنفط تحمل بعض الخسائر على المدى القصير، في سبيل استعادة هيمنتها مرة أخرى على سوق النفط العالمي على المدى الطويل.

لقد أنتجت الشركات الأميركية في السنوات الأخيرة النفط الصخري بسرعة وكثافة، أزعجت الدول النفطية الكبرى مثل السعودية وباقي دول الخليج، وباتت تهدد حصة هذه الدول في إمدادات سوق النفط العالمي، حيث ارتفع إنتاج النفط الصخري في أميركا بنحو أربعة ملايين برميل يومياً منذ عام 2008 ليحول أميركا إلى دولة نفطية كبرى خلال سنوات قليلة، تنافس روسيا والسعودية على صدارة الإنتاج.
"
العديد من آبار النفط الصخري في أميركا وكندا بدأت تفقد جدواها الاقتصادية، ولم يبق أمامها إلا التوقف أو التشغيل بالخسارة

"

وبلغ إنتاج النفط الأميركي نحو 8.6 ملايين برميل يومياً في أغسطس/آب الماضي، بفضل تقنيات "التكسير الهايدرولكي" و"الحفر الأفقي".

من هذا المنطلق اختارت "أوبك" مصارعة النفط الصخري والمنتجين من خارجها في ساحة رأس مالية مكشوفة وبدون تآمر، حيث وضعت هذه الدول أوراقها على طاولة مناقشات "أوبك".

وأوضحت أن المسؤول الحقيقي عن إغراق السوق النفطي ليس "أوبك" وإنما النفط الصخري والمنتجون الآخرون، وإذا خفضت" أوبك"من حصتها في محاولة دعم أسعار النفط، فإن كفة الإنتاج سترجح لصالح النفط الصخري.

بهذا المنطق تركت "أوبك" الصراع لحرية السوق ومعادلات العرض والطلب لتحدد من يملك القوة على البقاء.

النفط الصخري

السؤال المطروح في أسواق النفط هو من يملك القوة والقدرة على البقاء مع تدهور الأسعار، وما هو السعر الذي سيتمكن فيه النفط الصخري من الصمود في هذا الصراع المكشوف؟
على صعيد السعودية ودول الخليج، فالمعركة حددت مسبقًاً والخسائر حسبت والتعويضات وضعت من الأرصدة المدخرة في الصناديق السيادية.

ويضاف إلى هذه الاستعدادات أن كلف استخراج برميل النفط لا تفوق في أعلى التقديرات 25 دولاراً للبرميل، أما في الحقول الكبرى فلا تتجاوز الكلفة دولارين أو ستة دولارات للبرميل على أقصى تقدير.

من هذا المنطلق، فليست هنالك خسائر من ناحية جدوى استخراج النفط، حتى وإن هبطت أسعار النفط إلى 30 دولاراً للبرميل.

ولكن يبدو أن الحلقة الضعيفة في هذا الصراع هي النفط الصخري الذي تتراوح كلف استخراجه بين 60 إلى 80 دولاراً للبرميل. وهنالك حقول تقل فيها الكلفة حتى حدود 40 دولاراً، ولكنها ليست كثيرة.

خسائر الشركات النفطية

منذ قرار "أوبك" الإبقاء على سقف الإنتاج، تواصلت خسائر أسهم الشركات النفطية عموماً وشركات النفط الصخري تحديداً، وبالنظر إلى أداء الشركات النفطية في مؤشر "ستاندرد آند بوورز 500"، الذي يعد أهم مؤشرات الأسهم إلى جانب دواجونز، يلاحظ أن أسهم القطاع النفطي كانت الأسوأ بين القطاعات، حيث بلغت خسارة أسهم الشركات 8.8% من قيمتها في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وخلال يومي الأربعاء والخميس الماضيين خسرت أسهم الشركات النفطية نحو 75 مليار دولار. وربما تكون خسائر شركات النفط الصخري قد تجاوزت 400 مليار دولار منذ بداية يونيو/حزيران وحتى نهاية الأسبوع الماضي.

ويؤكد خبراء أن العديد من آبار النفط الصخري في أميركا وكندا بدأت تفقد جدواها الاقتصادية، ولم يبق أمامها إلا التوقف أو التشغيل بالخسارة.

تراجع الإنتاج

يقول الخبير النفطي فيليب فيرلجر إن "أميركا ستشهد انخفاضا كبيراً وسريعاً في نشاطات حفر آبار النفط الصخري"، وتوقع فيرلجر أن يخفض إنتاج النفط الصخري من مليون برميل يومياً إلى نحو 400 الف برميل أو 300 ألف برميل. وتتركز مشكلة الشركات العاملة في استخراج النفط الأميركي في التمويل، حيث تمول معظم هذه الشركات نشاطاتها عبر الاستدانة أو عبر الاقتراض المباشر من البنوك أو إصدار السندات.

وقدر حجم الديون المترتبة على شركات النفط الصخري بنحو 1.7 تريليون دولار.
ويتفق محلل النفط في مصرف "باركليز كابيتال" ميسوين ماهيش مع فيرلجر في أن الحصول على التمويل، سيكون المعضلة الحقيقية لاستمرارية شركات النفط الصخري، مع استمرارية انخفاض أسعار النفط دون مستوى 70 دولاراً.

ويتوقع ماهيش إفلاس بعض شركات النفط الصخري خلال العام المقبل، مع تدهور القيمة السوقية لأسهمها في وول ستريت.

وقال في هذا الصدد "التأثير الكبير على شركات النفط الصخري سيأتي من سوق الإقراض، لأن البنوك سترفض تمويل عملياتها بسبب المخاطر الكبيرة، وربما تفشل في تسديد أقساط ديونها".

ولكي يحدث اختبار حقيقي للنفط الصخري يجب أن تستمر أسعار النفط في نطاق معين لمدة ثلاثة شهور على الأقل، حتى يتمكن الخبراء من الحكم على درجة مقاومة النفط الصخري

لتدهور الأسعار، ويذكر أن درجات مقاومة الشركات تتفاوت حسب تفاوت كلف الإنتاج .

ولكن مشكلة النفط الصخري أن العائد منه ضئيل، ويعد الأقل عالمياً.

ولاحظت شركة "آي إتش إس – هارولد" التي يوجد مقرها في لندن، أن العائد على رأس المال المستثمر في النفط الصخري الأميركي والنفط الرملي الكندي لا يتعدى 4.0% مقارنة بالعائد على رأس المال المستثمر في نفط الشرق الأوسط والبالغ %23.0، حتى في المناطق ذات المخاطر العالية مثل العراق وليبيا.

وحسب تفسير نيك كاشيون مدير الاستشارات في شركة "آي إتش إس – هارولد"، فإن السبب وراء ضآلة العائد الذي يحصله المستثمرون في شركات النفط الصخري، يعود إلى أن هذه الشركات تحقق أرباحها من سوق الأسهم وليس من الإنتاج.

ولاحظ كاشيون أن الشركات الكندية التي تستخرج النفط الرملي لم تحقق أرباحاً أعلى من ستة دولارات للبرميل خلال السنوات الماضية، وهذه الأرباح حققتها الشركات في أوقات كان فيها سعر البرميل فوق 100 دولار.

فما الذي سيحدث حينما تنخفض الأسعار إلى 60 دولاراً لبرميل خام غرب تكساس. من جانبه يقول بيتر هوارد رئيس المعهد الكندي لأبحاث البترول بكندا، إن ثورة النفط الصخري الأميركي ستواجه تهديداً حقيقياً إذا استمرت الأسعار في مستوياتها الحالية تحت 70 دولاراً لخام غرب تكساس.

أضف تعليقك

تعليقات  0