فرسان المناخ اليوم


يتحدث صديق لي مهتم ومتكدر من أوضاع الدولة قائلاً: ما أكثر ما تتلاعب السلطة بالألفاظ، فعوضاً عن التصريح بالكلمات الدالة على المعنى المباشر الذي ينصرف إلى الذهن، تلجأ إلى تمويه الكلمة حتى تضيع "الطاسة"، فمثلاً بدلاً من أن تقول كلمة "بوق" (سرقة) من أموال الدولة، أو عبارة إهمال جسيم سبَّب أضراراً لأملاك الدولة، أو تكسب من الوظيفة العامة أو رشوة، نجدها تضع كلمة "تجاوزات"، وكأن الذين سرقوا أو تلاعبوا بالأموال العامة، "تجاوزوا" حدودهم فقط، "تجاوزات" غير كلمة "سرقات"، وغير مليارات أهدرت، وغير ثراء غير مشروع لمسؤول كبير أو متنفذ متحالف مع المسؤول على "بلع" الأموال العامة التي "كانت" يوماً ما وفيرة، ولم تعد اليوم.

ولكم أن تقيسوا على ذلك التمويه بالألفاظ، أو قد تتذرع السلطة، في أحايين أخرى، بأعذار شتى، مثل غياب التشريع المجرِّم للفعل على سبيل المثال، فنحن لا نعرف شيئاً عن المسؤولين لكارثة محطة مشرف للمجاري، غير ربما كلمة "تجاوز" بسيطة لموظف أو موظفين عامين لواجبات الوظيفة، ولا نعرف شيئاً، بأمثلة لا تحصى عن حكاية استاد جابر أو مستشفى جديد، أو المدينة الجامعية تم تناسي أوضاعها، غير "تجاوزات" أو أخطاء عادية دون وجود المخطئين، وماذا حدث لنكتة القرية التراثية؟ التي تُركت كأطلال مدينة سورية كانت ضحية من ضحايا حرب نظام مجرم ضد جماعات إرهابية تعادله جرماً ورعباً، وكذلك إن لم ينس الناس قضية الإيداعات المليونية لشباب "كبت امي" حين غاب التشريع المؤثِم.

ويستطرد صديقي حديثه المهموم، عن الحكاية الأخيرة، ويضرب مثلاً بأن الشرطة الأميركية كادت تعجز عن ضبط رجل العصابات الشهير آل كابون بجرائمه الكثيرة، فتم ضبطه ومحاكمته عام 1931 بجريمة التهرب الضريبي، فهو لم يدفع الضريبة المفروضة على أموال... لا يعرف مصدرها.

ويضيف صديقي مستشهداً ببرنامج لمحطة "بي بي سي" لما سمي بعبارة "willful blindness"، أي التَّعامي المقصود وتمويه الألفاظ، مثلما لجأت إلى هذا الشركات الكبيرة في الولايات المتحدة مثل "إنرون" وغيرها في تبرير سوء إدارتها التي كانت من أسباب أزمة عام 2008 المالية، وتذرعت بأن إعسارها كان لظروف استثنائية اقتصادية لا شأن للإدارة بها، فهنا يلجأ المتلاعب إلى "التلاعب" بالألفاظ ليحجب تدفق المعلومات عن الجمهور، ويتم تضليل وعي الناس بتلك الهرطقات... وعادة يسرع كبار المديرين إلى تلك الشركات لإلقاء اللوم على الصغار في الإدارة.

هنا قاطعت صديقي، قائلاً: "عندنا وعندهم خير"، لكن بأي حال ليتنا مثلهم، فإذا كانت هناك شركة إنرون واحدة، فعندنا هنا "إنرونات" لا حصر لها، ومازالت تعمل وتتسابق على مناقصات الدولة، وهي معسرة، حتى نقفز من فشل إلى فشل ومن مصيبة إلى مصائب في المشروعات العامة وعقودها الكارثية... وإذا كانت أمور "التجاوزات" قد مرت بسلام على المتجاوزين أيام العز، حين كان سعر البرميل 120 دولاراً، فماذا عن أيام "الطّز" الآن، وسعر البرميل ينجذب كل لحظة إلى الأسفل بفعل قانون نيوتن للجاذبية الاقتصادية... وإذا كان عندهم "آل كابون" فعندنا الـ "كابونات"...

من غير عدد، و"آل كابونهم" أودع السجن أما آل "كابوناتنا" فهم مازالوا يركبون "الرولزرويسيات والبنتليات"، ويتصدرون المناسبات العامة، وكأن شيئاً لم يحدث غير أعمدة وأبنية أسمنتية منسيّة، تركت لتتربع في زوايا النسيان والإهمال، وتبقى قضيتنا أولاً وأخيراً هي قضية إدارة فاشلة، يمتطيها فرسان فاشلون، هم صورة حديثة وأكثر مأساوية لفرسان المناخ عام 1982... الله يذكرهم بالخير.
أضف تعليقك

تعليقات  0