نار الأسعار... من سيحاسب من؟

الحكومة لن تقوم بمنع رفع الأسعار ومحاسبة محلات التجزئة أو الشركات والمصانع، سواء التي رفعت أسعار منتجاتها مع بدء سريان قرار إلغاء دعم الديزل والكيروسين ووقود الطيران، أو تلك التي ستقوم بذلك بعد زيادة أسعار الكهرباء والماء والبنزين التي تتجه الحكومة إلى إقرارها في المستقبل القريب.

دعم الديزل يُكلّف الميزانية العامة للدولة أكثر من مليار دينار سنويا، وهذا المبلغ يُشكّل أكثر من ثلاثة أضعاف الدعم الذي تقدمه الحكومة للرعاية الاجتماعية، وتقريبا ستة أضعاف بند بدل الإيجار الذي يصرف للمواطنين الذين ينتظرون السكن الحكومي!

علاوة على ذلك فإن الديزل المدعوم، وبالذات بعد خصخصة محطات الوقود ومشتقاته في عام 2004، أصبح يتعرض للسرقة ويُهرب بعضه للخارج، حيث عجزت الأجهزة الحكومية، حتى الآن، عن وقف هذه الجريمة.

وتنفيذاً لتوصيات صندوق النقد الدولي (المستشار المالي للحكومة) فقد قررت الحكومة مؤخراً إلغاء دعم الديزل والكيروسين ووقود الطيران اعتباراً من بداية العام مع استثناء المصانع المحلية وشركات الطيران الوطنية، وذلك من أجل تمهيد الطريق لإلغاء بنود الدعم الاجتماعي أو تخفيضها. وبما إن لهذا القرار آثاراً ونتائج سلبية للغاية على أصحاب الدخول المتوسطة والمتدنية فقد كان من المفترض التأكد قبل اتخاذه من وجود برامج حماية اجتماعية متكاملة كي لا ينتهي الأمر، كما نرى الآن، بتحميلهم فاتورة بدل الدعم عن طريق ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة.

غياب برامج جدية ومتكاملة لحماية المستهلك، وضعف أجهزة الرقابة الحكومية أو غيابها جعلا بعض المصانع المحلية والشركات الكبرى ومحلات التجزئة تقوم على الفور برفع الأسعار بالرغم من أن الشركات والمصانع التي تُسوق بضائعها محلياً مستثناة من قرار إلغاء الدعم، كما أنها تحصل أيضا على تسهيلات ودعوم حكومية سخيّة، بجانب هبوط أسعار النفط عالمياً؛ مما أدى إلى انخفاض أسعار المواد الأولية، لكنها فرصتهم الذهبية لتعظيم الأرباح! والسؤال الآن هو ماذا ستفعل الحكومة؟

بإمكان الحكومة، لو أرادت، اتخاذ إجراءات قانونية فورية لوقف ارتفاع الأسعار من ضمنها الإيقاف الإداري للمصنع، أو إلغاء الترخيص، أو مصادرة السلع، أو الحرمان من الامتيازات الممنوحة كليا أو جزئيا، ولكن من غير المتوقع أن تتخذ قراراً له قيمة نظراً لوجود تعارض مصالح، لأن بعض كبار أصحاب المصانع والشركات الكبرى ومحلات التجزئة أعضاء في مجلس إدارة الجهة الإدارية التي من المفترض أن توقع العقوبات على المصانع أو الشركات المخالفة، وبعضهم أعضاء أيضا في الحكومة والمجلس، فَمن، يا تُرى، سيُحاسب مَن؟!

لهذا، ففي حالة عدم وجود ضغط شعبي، فإن الحكومة لن تقوم بمنع رفع الأسعار ومحاسبة محلات التجزئة أو الشركات والمصانع، سواء التي قامت برفع أسعار منتجاتها مع بدء سريان قرار إلغاء دعم الديزل والكيروسين ووقود الطيران، أو تلك التي ستقوم بذلك بعد زيادة أسعار الكهرباء والماء والبنزين التي تتجه الحكومة لإقرارها في المستقبل القريب.

أما موضوع الإحالة إلى النيابة العامة الذي تلوّح به الحكومة فسيستغرق وقتا طويلا يعاني خلاله الناس أشد المعاناة في معيشتهم اليومية، وقد ينتهي الأمر، كما حصل في حالات سابقة، إما بغرامة مالية بسيطة لا تتناسب مع ما حققته الشركات والمصانع من أرباح فقط، بل أيضا لن تعوض الناس ما خسروه، أو بالبراءة نتيجة عدم كفاية الأدلة أو لأي سبب آخر.

أضف تعليقك

تعليقات  0