تذكّروا المخلصين

خبر قرار السلطات القضائية السويسرية السماح للنيابة العامة الكويتية بالاطلاع على حسابات فهد الرجعان (المدير العام السابق لمؤسسة التأمينات العامة)، الذي بلغت أرصدته الخاصة، وفق ما جاء في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، نحو 395 مليون دولار، وقيمة 81 عقاراً بالكويت، لا يصح أن يكون مثل هذا الخبر مصدراً للتشفي والإدانة المسبقة للرجعان.

إلا أنه من ناحية أخرى، لا يمكن القبول بنهج سياسات كرّستها السلطة بترك المناصب القيادية العامة لأسماء اجتماعية متوهجة لعقود ممتدة، تحقيقاً لفلسفة سقيمة تقرر أن «ما في هالبلد غير هالولد»، بما يعني تكريساً لعلاقات «الزبائنية» والمحسوبيات في إدارة المرفق العام.

من الظلم قصر مثل تلك الحقيقة، التي تسير عليها السلطة من عقود ممتدة، على فهد الرجعان، الذي بقي في منصبه مدة قاربت الثلاثين عاماً، بل تكاد تشمل معظم من يشغل مثل تلك المناصب، وبما تكفله هذه المناصب من ميزات وسلطات للإثراء غير المشروع في أحيان كثيرة، وحين تتصاعد من تلك الوظيفة القيادية روائح الفساد المالي، وكان يتعين حينها وضع الأمور في نصابها، وإنهاء احتكار المنصب، ثم يتم التناسي بتعمّد بقاء الوضع، وتركت الأمور على الغارب، وركنت في «خزائن اللامبالاة».

والسبب هو تركيبة هذه الدولة ومن على شاكلتها في الدائرة الريعية القبلية، بما يعني في نهاية الأمر أن حكاية الإصلاح، والمقصود إصلاح الإدارة البيروقراطية الفاسدة في الدولة، هي نكتة سمجة ما أكثر ما نسمعها من أفواه كبار المسؤولين في السلطة يصعب ابتلاعها وتصديقها، فآخر الأمر تبقى الحقيقة الثابتة تؤكد أن «فاقد الشيء لا يعطيه».

يبقى هناك بصيص من نور في تيه هذا الظلام الذي يخيم على إدارة البلد ومستقبله، بعد أن تهاوت أسعار سلعته الوحيدة، ويتمثل في وجود مواطنين قلوبهم على وطنهم، مخلصين في ولائهم للكويت وأبناء الكويت، ويضيرهم أي مساس بمقدرات الدولة، ويرفضون كل صور الفساد واستغلال الوظيفة العامة أياً كانت صوره وأشكاله، هؤلاء يضحون ويعملون بصمت.

نتذكر من هؤلاء السادة -على سبيل المثال لا الحصر- د. فهد الراشد، ويعقوب الحميضي، وفهد البحر، الذين اعترضوا خلال الغزو على وضع استثمارات الدولة في الخارج، وما حدث بها من تلاعب وسرقات مريعة، وحين وجدوا أنفسهم ينفخون في قربة مقطوعة، قدموا كتاباً مسبباً قرروا فيه رفضهم وإدانتهم لما حدث.

في مثل ظرفنا اليوم، من الواجب أن نتذكرهم ونشكرهم، ولعلنا نجد اليوم في بعض شبابنا مثلهم، يسلطون حزمة الضوء على مواطن الزلل في الدولة، وما أكثرها، فلم يعد بالإمكان تحمّلها أو السكوت عنها.

أضف تعليقك

تعليقات  0