لا علاقة لنا..!


• العطاء لا يصنف الناس على حسب ثرواتهم ولا يفرق بين المقتدر والذي يعيش على الكفاف.

كان يعزف الغيتار وأمامه وعاء ليضع فيه المارة ما تجود به أنفسهم لمساعدته، ذلك المشرد الذي لا يدخر جهداً في نشر اللحن العذب الذي تنضح به آلته الموسيقية آناء الليل وأطراف النهار، وقفت أنا برهة أحلل المشهد وأنظر الى المارة لمعرفة من سيلتفت إليه ليساعده، لكن لا جدوى. فقليل من رق قلبه ومد قطعة النقود لتستقر في قاع الوعاء، إلى أن أتى رجل مسن بأسمال بالية إلى عازف الجيتار، وقال له grüB gott، وهي التحية باللغة النمساوية، فأخذ المشرد بضعة من نقوده القليلة وأعطاها للرجل المسن، فابتسم ورحل.

هذا السيناريو الذي صادفته يخبرنا أن العطاء لا يصنف الناس على حسب ثرواتهم، ولا يفرق بين المقتدر وبين الذي يعيش على الكفاف، فهو ليس مقتصراً على طبقة محددة، إنما هي النفس الإنسانية السمحة الخالصة التي لا تعرف الحدود ولا تستهويها فكرة الفئوية والمذهبية والطائفية. فلم يقل العازف الفقير «لماذا أساعد وأنا من أحتاج للمساعدة؟»، ولم يقل «لماذا أساعد محتاجاً لا أعرفه؟».

المشكلة هي أن الناس أو أصنافاً من الناس تعتبر مساعدة من يخالفها أو من لا يمت اليها بصلة تدخلاً أو تطفلاً، أو على حسب لهجتنا «ما لي شغل»، يعني ماذا؟ يعني أن تجد طفلا لا يتجاوز ثلاث سنوات يُضرب بعنف من قبل والده في أحد مراكز التسوق وتمر أنت ولا يرف لك جفن، وتمضي وتقول في نفسك لا علاقة لي حتى لو يلقى الطفل البريء حتفه!

لدينا في فكر مجتمعاتنا، وخاصة الفئة التي تزعم أنها من «الطبقة البرجوازية» أن مساعدة الغريب هي تعدٍّ على هذا الغريب!

وبالنسبة الى الفئة المادية يقول ناسها الذين يقدسون عقلهم الأناني المصاب بالعنجهية «ما الذي سأجنيه من مساعدتي هذا الغريب؟!».

أما الفئة النادرة التي تستحق أن يُبنى لها نصب تذكاري لتخليدها في التاريخ اللامع التي تساعد لله فهي تحمل نفسا جُبلت على تفريج هم الآخرين، ولا تريد جزاءً ولا شكوراً. فقط، تطمح الى رضا ربها وإثبات إنسانيتها.

المسألة بسيطة. فقط، غيّر فكرتك واذهب الى مكان آخر في عقلك، وأعد نظرتك للعالم، ولتبسيط الموضوع ضع نفسك مكان ذلك الغريب والغريق والتائه وتخيّل الموقف، وستدرك المعنى.

د. نادية القناعي

Naalqenaei@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0