الكويت الأفضل مركزاً مالياً بين مصدِّري النفط








قال تقرير صدر مؤخراً عن بنك أوف أميركا ميريل لينش انه على المدى القريب تبدو منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا قادرة على تحمل أسعار النفط المنخفضة، وان أي تراجع إضافي جوهري يرافقه تقليص لنفقات الميزانية قد يحدث إذا ما استمر تراجع أسعار النفط لفترة أطول بكثير.



انخفاض النمو

وقال التقرير ان أي تراجع في أسعار النفط يطول أمده قد يفضي إلى دمج الإنفاق الحكومي في دول التعاون، على الرغم من أن المدخرات المتكدسة قد تلعب دور المصدات في المدى القريب. ومع أن أسعار نقطة التعادل المالية في المنطقة تبلغ 85 دولارا تقريبا للبرميل الواحد، وتعد احتياطيات الصرف الأجنبي في دول التعاون عالية على الصعيد التاريخي، فان هناك عدم تجانس كبيرا بين المجموعة. فالبحرين وعُمان تواجهان ضغوطا عاجلة لتخفيض الإنفاق المالي، بينما تبدو الكويت وقطر بوضع أفضل، رغم أن التزام الأخيرة بالإنفاق على استضافة كأس العالم سيقلص من مصداتها المالية.

في غضون ذلك، لفت التقرير الى أن جميع مصدري النفط، باستثناء الكويت، ربما يعانون عجزا في الميزانية وفق الأسعار الحالية.

من جانب آخر، توقع البنك بناء على ردة فعل السعودية ألا ترتفع أسعار النفط في المدى القريب، مستدلاً بأحداث الثمانينات. ففي سبتمبر 1985، عندما أدركت السعودية أن سياساتها أدت إلى خسارة الحصة السوقية وفشلت في تعزيز الأسعار نظراً إلى انخفاض الطلب على النفط وعصيان «أوبك»، تخلت المملكة عن بذل جهودها لتكون منتجاً نفطياً مرجحاً. وباستطاعة السعودية تحمل نظامها النفطي الجديد في المدى القريب. لكن رغم أن عمق ومدة انخفاض أسعار النفط هما من الأهداف السياسية ذات الأجل المتوسط، فان تكاليفها الكبيرة محلياً من المرجح أن تصبح أكثر وضوحاً لاحقاً. في المدى القصير، يتوقع التقرير بناء على تقديراته لأسعار النفط أن يظل النمو غير النفطي في دول التعاون مرناً، في الوقت الذي لا يزال تخفيض الحكومات لإنفاقها متواضعاً حتى الآن، ولو أن بنك أوف أميركا، يتوقع تزايد المخاطر السلبية.



تداعيات محلية

رجّح التقرير أن يساهم النظام النفطي الجديد في فرض الضغوط على الإنفاق الحكومي بدول التعاون، مع تداعيات اجتماعية اقتصادية مصاحبة وأخرى متعلقة بالنمو. وتتطلب احتياجات البيئة المتغيرة والاقتصاد الكلي المحلي وجود مرونة في نقطة التعادل المالية لأسعار النفط التي ضعفت بشكل كبير. من جانب آخر، يقول التقرير ان حساب نموذج النمو في المنطقة لا يزال غير مشجع من دون إجراء إصلاحات. إذ يشير حساب النمو إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي منذ السبعينات كان مدفوعاً بشكل كبير من تكديس العوامل الكلية (العمالة ورأس المال) ومكاسب التبادل التجاري، وبالتالي يمكن أن يُضعف تراجع الإنفاق الحكومي الكبير الطلب على العمالة والاستثمار، مما يؤثر في إمكانية النمو في غياب الإصلاحات التي تعزز من إنتاجية العوامل الكلية TFP. وأضاف التقرير أن نمو الإنتاجية كان سلبياً من السبعينات وحتى الثمانينات، وظل أدنى من معدل الأسواق الناشئة ذات مستويات دخل الفرد المتشابهة. أما تركز العمالة في البناء والإنشاء والقطاع الحكومي، إلى جانب القطاع النفطي الكبير، فيرمي بثقله على نطاق مكاسب الإنتاجية البشرية، ويفسر إلى حد بعيد القراءة الضعيفة لنمو إنتاجية العوامل الكلية من وجهة نظر «بنك أوف أميركا».



مستويات الاسعار

قال الخبير الاقتصادي والسياسي أناتولي كالتيسكي في مقال نشره المنتدى الاقتصادي العالمي إنه إذا كان هناك من أمر واحد يحدد مصير الاقتصاد العالمي، فإنه سعر برميل النفط. فبعد كل ركود اقتصادي عالمي منذ السبعينات كان يسبقه على الأقل تضاعف سعر النفط، وفي كل مرة يهبط سعر البرميل إلى النصف، يستمر بهذه الحال لمدة 6 أشهر أو أكثر، يليه تزايد كبير في النمو العالمي.

وبعد أن هبط من 100 إلى 50 دولاراً، يحلق اليوم سعر البرميل عند هذا المستوى. فهل يكون سعر 50 دولاراً هو السقف أو الأرضية الجديدة لمستوى التداول الجديد بالنفط؟

وأضاف أناتولي أنه ما زال معظم المحليين يتوقعون أن يصبح سعر 50 دولاراً أرضية للتداول، ولكن خبراء في الاقتصاد والتاريخ يرون أن سعر اليوم يجب أن ينظر إليه كسقف محتمل لأي مستوى تداول أقل بكثير، قد يصل إلى 20 دولاراً.

لفهم ذلك، يرى الخبير الاقتصادي أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار المفارقة الأيدولوجية في لب اقتصادات الطاقة اليوم. لطالما اتسم سوق النفط بالصراع بين الاحتكار والمنافسة، ولكن ما يرفض معظم المعلقين الغربيين الاعتراف به هو أن بطل المنافسة اليوم هو السعودي، بينما تصلي أميركا من أجل أن تعترف «أوبك» بقوة احتكارها.

عودة الآن إلى التاريخ تحديداً تاريخ أسعار النفط المعدلة وفق التضخم منذ 1974، عندما نشأت منظمة أوبك للكرة الأولى. يظهر التاريخ نظاميّ تسعير متميزين. الأول بدءاً من عام 1974 إلى 1985، حين تقلب سعر النفط الأميركي ما بين 50 دولاراً إلى 120 دولاراً وفق أسعار اليوم. والثاني من عام 1986 و2004، عندما تراوح سعر البرميل من 20 إلى 50 دولاراً. أخيراً، منذ عام 2005 وحتى 2014، عاد سعر تداول النفط إلى ما كانت عليه في الفترة بين 1974 و1985، أي ما بين 50 إلى 120 دولاراً، بصرف النظر عن الارتفاعات المقتضبة خلال الأزمة المالية.

بمعنى آخر، مستوى التداول في الأعوام العشرة الماضية كان مشابهاً للعقد الأول من ظهور أوبك، بينما كانت الأعوام التسعة عشر من 1986 إلى 2004 تمثل نظاماً مختلفاً كلياً. ويمكن تفسير الاختلاف بين هذين النظامين بانهيار قوة أوبك في عام 1985، بسبب تطور نفط حقول ألاسكا وبحر الشمال، الأمر الذي تسبب بتحول من التسعير الاحتكاري إلى التنافسي. هذه الحقبة انتهت في عام 2005، عندما ارتفاع الطلب الصيني على النفط مؤقتاً، مما خلق نقصاً عالمياً في الطاقة سمح بانتعاش سعر أوبك.

هذه السابقة تشير إلى أن سعر 50 دولاراً قد يكون معدلاً محتملاًَ بين النظامين الاحتكاري والتنافسي. بينما تفسر اقتصادات الأسواق التنافسية مقابل التسعير الاحتكاري لماذا سيكون سعر 50 دولاراً سقفاً وليس أرضية. ففي السوق التنافسية، يجب أن تعادل الأسعار التكاليف الهامشية، ببساطة يجب أن يعكس السعر التكاليف التي سيسترجعها أي مورد كفء عند إنتاج آخر برميل نفط بهدف تلبية الطلب العالمي. على العكس من ذلك في نظام التسعير الاحتكاري، فإن المحتكر يمكنه اختيار سعر أعلى من التكاليف الهامشية ثم تقييد الإنتاج لضمان عدم تجاوز العرض الطلب.
أضف تعليقك

تعليقات  0