«رؤيا» الحمادي إلى الـ «بوكر»


غلافها «بومة» تنظر إليك بكل إصرار أنها فاعلة ما في رأسها لا محالة، وعيناها على هدفها.

رواية «لا تقصص رؤياك» للكاتب والأديب الكويتي عبدالوهاب الحمادي رُشحت مؤخراً في القائمة الطويلة لجائزة البوكر، ولن أقول كما قال كثيرون انها فرصة وميزة للحمادي كونه مع أدباء ذوي شهرة، ولكن أجزم بأنه الأفضل، وأن الجائزة تتميز به، والأدباء سيضيف لهم نكهته التي لا يملك خلطتها السرية إلا قلمه.

يطرح الحمادي رواية كُتبت بطريقة مختلفة، عبر «لا تقصص رؤياك» قصة صديق بدأ عابراً وانتهى حميماً، وهو صاحب «الدروب الأندلسية» رواية تحولت لرحلات في التاريخ الأندلسي، و«الطير الأبابيل» قفزة في التغلغل لعمق الفكرة لتطرح بشكل غير مألوف وتألفه نفسياً وكأنه يقولك.

في «لا تقصص رؤياك» القاص هو صاحبها، ذاك الذي كان عابراً يوما ما، الكاتب والمعالِج الأدبي والروائي وصاحب الضبط والربط هو الحمادي، وقد أجاد.

اندسستُ بين الحروف لعلي أجد قَبَسا من حقيقة الشخصيات «الغرامية» فالسياسية كانت واضحة لمن تلمز، وبسبب ذلك أظنها منعت من الكويت من الجهل المدقع للرقيب العاجز عن التأويل فتمسك بظاهر النص ضعفاً لا فقها.

وتساءلت: كم واحدا فينا مرّ بشخوص ظن أنها مجرد مصادفة وجودهم في طريقه في بلد ما أو مقهى منعزل أو حتى جليس كرسي في رحلة قصيرة من منطقة لأخرى في قطار أنفاق، ولكن ظنه في غير ما ظن، استحال الغريب قريبا، وبدأت معه حَكايا نسجت من خيوط القمر، وأسدل عليها رحيق شروق الفجر زهراً ذا عبق لا يتكرر.

إنها قصة أخرى، إن انتهيت منها قد تكرر هذه الجملة، وتزيد: ما الجديد؟

وقد أتفق معك، هي قصة أخرى تضاف للقصص، والقَصص عِبَر لا حكايات ومنامات تفسر برواية، لذلك أقول لكل مهتم بالأدب الصاعد لرقي الفكر: هي ليست قصة أخرى، هي رؤيا تعطيك فرص التأويل عبر قراءتك للأحداث ورصها بشكل يتكامل في كل فصل، وأحياناً يزيل الفصل الذي ليله قطعة من الأحجية ويعيد فكرة التأويل لكرته الأولى.

تشابكت الأحداث وتناثرت وتعقدت، لملمها الحمادي باحتراف قد يصعب على القارئ العادي متابعتها وفهمها من أول مرة في القراءة، وهذا جزء كبير من جمالها.

من يعرفني ويقرأ لي يعلم أنه ليس للتزلف والنفاق الأدبي ثقب يتسلل منه لقلمي، لذلك فأنا أكتب عن عبدالوهاب الحمادي لأنه أديب لا أديب مرتقَب، وكاتب لا كاتب متوقَّع، ومثقف لا من أشباههم.

«لا تقصص رؤياك» رؤيا لن يؤولها أحد مثلما فعل الحمادي، وجائزة البوكر، لاشك، ستزدان بها.





@kholoudalkhames
أضف تعليقك

تعليقات  0