عن استقلالية السلطة القضائية ومخاصمتها


تقوم الديمقراطية على عدة مبادئ أساسية في مقدمتها فصل السلطات العامة عن بعضها البعض، إذ من دون ذلك، أي في حال تداخل السلطات أو تركزها في سلطة واحدة لا يصبح هناك نظام ديمقراطي حقيقي، ومن البدهي أن فصل السلطات الثلاث، ومن ضمنها السلطة القضائية، يتطلب، أول ما يتطلب، استقلاليتها المالية والإدارية.

وبالطبع فإن استقلالية السلطة القضائية لا تقتصر على الجوانب المالية فقط بالرغم من أهميتها، بل تشمل أيضا الجوانب الإدارية والمهنية (اعتماد الميزانية، وتعيين القضاة وأعضاء النيابة والتحقيقات وترقيتهم، وتحديد سلم مرتباتهم ومكافآتهم، وآلية توليهم للمناصب القيادية أو أعفاؤهم منها)، بحيث يكون هناك سلطة قضائية قائمة بذاتها لا علاقة لها من ناحية الارتباط التنظيمي بالحكومة كما هو الوضع حاليا، وهو الأمر الذي يترتب عليه ازدياد الثقة الشعبية بنزاهة السلطة القضائية كسلطة مستقلة، وذلك لأن الحكومة لا تستطيع حينئذ التدخل في شؤونها الإدارية والمالية والتنظيمية، أو التأثير في سير عملها وتوجيهها متى ما أرادت بحسب أهدافها ومصالحها المتغيرة باستمرار وفقا للظروف السياسية المتقلبة.

من ناحية أخرى فإن السلطة القضائية، كما ذكرنا من قبل، غير مُقدّسة، بل إنها تخضع للرقابة الشعبية، حيث إن الأمة في الأنظمة الديمقراطية هي مصدر السلطات جميعا، فضلا عن أنها، مثلها مثل أي سلطة أخرى، معرضة للفساد السياسي والإداري والمالي، وهو ما يعني أنها في حاجة دائمة إلى الإصلاح الإداري والتطوير المستمر. أضف إلى ذلك أن القضاة وأعضاء النيابة والتحقيقات بشر، والبشر ليسوا معصومين من الخطأ أو الانحياز الاجتماعي والسياسي، أو التعسف في تطبيق القانوان، لذا فإن هناك في الدول الديمقراطية المتقدمة آليات وإجراءات محددة تستهدف تحقيق العدالة مثل الطعن على الحكم في درجات التقاضي المختلفة، أوطلب رد القاضي (تغييره)، أو مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة والتحقيقات، أي تقديم شكوى ضدهم، علاوة على إمكانية انتقاد الأحكام بشكل موضوعي وقانوني مع ضرورة احترام أعضاء السلطة القضائية، وعدم التعرّض لحياتهم الخاصة، أو الطعن في نزاهتهم الشخصية.

على هذا الأساس فإن استقلالية السلطة القضائية بشكل كامل عن السلطة التنفيذية (الحكومة)، ووجود قوانين متطورة تضمن الحق في مخاصمتها هما من المتطلبات اللازمة لتحقيق العدالة، وهما أيضا من المقومات الأساسية والضرورية لقيام أنظمة الحكم الديمقراطي.
أضف تعليقك

تعليقات  0