أتذكر

بعد أن تجاوز الشاعر الأميركي دونالد هول الثمانين، كتب مذكراته بعنوان "مقالات بعد الثمانين"، فيها يتذكر الشاعر، بعد أن أنهكته السنون والأمراض وفقد أحباءه، أنه أخد يتأمل صفحات من ذكرياته، فهو يتذكر مذبحة أو "اغتصابات نانكن" في 13 ديسمبر عام 1937،

والتي قام بها الجنود اليابانيون في تلك المنطقة بالصين خلال الحرب الصينية اليابانية، ويتذكر كيف استولى فرانكو على مدريد ويتذكر هتلر وموسوليني حين غزوَا بولندا، ويتذكر بيرل هاربر، ويتذكر شراء سندات الحرب بعشرة سنتات يدفعها من مصروفه الأسبوعي، ويتذكر v day أي يوم انتصار الحلفاء على ألمانيا في 7 مايو 1945، ويتذكر هيروشيما، ومقتل كيندي ويتذكر مشاركته في المظاهرات ضد حرب فيتنام، ويتذكر 11 سبتمبر، ثم يقرر أنه "سيأتي اليوم الذي لن يتذكر فيه أحد ما تذكرته".

وبدوري، بعد أن تجاوزت الستين، أتذكر استقلال الكويت وإعلان عبدالكريم قاسم أن "الكويت جزء لا يتجزأ من العراق"، وأتذكر شباباً بالدشاديش والغتر منبطحين على أرض ملعب مدرستي "السالمية"، بعد العصر، يحملون بنادق قديمة يتدربون على حمل السلاح، وأتذكر مظاهرات صغيرة لطلبة مدرستنا المتوسطة تشارك مظاهرات طلبة الثانوية بمناسبة الوحدة المصرية- السورية، وكانت فرصة رائعة للهرب من رتابة الدراسة. أتذكر إذاعة صوت العرب تعيد مرات عديدة أغنية "أنا واقف فوق الأهرام وقدامي بساتين الشام"، وأتذكر، بعدها بسنوات، في حرب 67 صوت أحمد سعيد يهدر من الراديو: "أسقطنا ثلاثين طائرة، أسقطنا مئة طائرة….

أتذكر سذاجة قوميتنا وحماس المراهقة وأننا رقصنا فرحاً بالنصر قبل إعلان الهزيمة رسمياً، وأتذكر أيام تدريبات الفتوة بعدها بعام، وكانت مضحكة بهزليتها ونزقنا أيام الثانوية. أتذكر سينما الأندلس والحفلات الشهرية التي تقام بها، وأتذكر حفلة أم كلثوم، وحفلة فريد الأطرش، وكيف كان صاحب الربيع وأول همسة يتفاعل من أعماقه بعزف العود، وأتذكر حفلات فرقة "البولشوي" الروسية، وحفلات رأس السنة في الفنادق، وأتذكر مظاهراتنا كطلبة في بدايات جامعة الكويت نطالب بتوحيد قاعات المحاضرات بين الجنسين، ورفض الفصل بينهما، وأتذكر رحلتنا الطلابية إلى مدينة "ديجون" الفرنسية، وعشنا هناك أكثر من قيس وأكثر من ليلى، وتوجت مشاوير الحب الجميلة بزيجات تمت بعدها، وأتذكر سينما حولي الصيفي وزجاجات البيبسي والفانتا الفارغة تتدحرج من قسم "البلكون" بالأعلى نحو قسم "الصالة" بالأسفل والأرخص سعراً. وتمضي الأيام... تطوي العمر سريعاً… وأمشي أحياناً بين قبور الراحلين، حين أقدم واجب العزاء، وأتذكرهم، وأتذكر لحظات فرحنا وضحكنا ونشوتنا رحلوا، وسكنوا التراب، ورحلت لحظاتهم على طائرة الزمن، وحفرت ذكراها في الوجدان الهرم... وسيأتي اليوم الذي لن يتذكر فيه أحد ما تذكرته!

أضف تعليقك

تعليقات  0