عيدان... ولكن!

دائماً نقول إن المناسبات الوطنية يجب أن تكون محطات للمراجعة والمحاسبة بقدر ما هي مواقف للتعبير عن مشاعر الغبطة والسرور والاحتفال.

وقد نكون محظوظين جداً في الكويت، لأن لدينا بدل العيد عيدَين، بل كل عيد منهما، سواء كان الاستقلال أو التحرير له مدلول واحد، وهو أن الكويت عادت إلى أهلها، فالاستقلال أعاد إلينا كشعب سيادتنا على أرضنا وثرواتنا من الاستعمار البريطاني، وبالتحرير استعدنا نفس الأرض والثروة التي صادرها الاحتلال الصدامي.

العيد الوطني في عام 1961 مهّد لكتابة الدستور والعمل بالديمقراطية، حيث السيادة للأمة مصدر السلطات، وعيد التحرير في عام 1991 أعاد إلينا ذلك الدستور المعطل، وأرجع السيادة الشعبية المصادرة، وكنا بذلك أول شعب في العالم منذ الحرب العالمية الثانية يشهد ولادة نفس الدولة على مدى عدة أجيال، فلم نقرأ هذه الأحداث من بطون الكتب، ولكن رأيناها رأي العين وعشنا تفاصيلها المريرة والسعيدة.

إذا أردنا أن نستعرض كشفاً للحساب في الذكرى الرابعة والخمسين لعيد الاستقلال والذكرى الرابعة والعشرين لعيد التحرير فسنجده حافلاً بالتناقضات المحزنة، فالشعب لم يعد ذلك الشعب الذي وقف ضد الاستعمار، ولا ضد قوات صدام المحتلة وقفة رجل واحد، وبات نسيجه ممزقاً يأكل بعضه بعضاً بالأقلام والألسن، وفشلنا في بناء مفهوم صادق ومصدق للمواطنة التي تعني العدل والمساواة بين الجميع، وأموالنا العامة لم تعد تصادرها الشركات البريطانية النفطية ولا أزلام نظام صدام حسين، وإنما أموالنا أضحت مستباحة تحت بنود المناقصات والترسيات وأخيراً خطة التنمية، وفي الوقت الذي نرى السجون تبتلع الكثير من المدانين بقضايا الرأي، لم نجد أياً ممن نهبوا أموال التنمية وخربوا مشاريع الدولة الكبرى ومن تورمت أرصدتهم بالملايين دون كد أو عمل خلف القضبان!

منذ التحرير لم تتغير معالم بلدنا أسوة بالقريب والبعيد، رغم أننا أنفقنا من أموالنا أضعافاً مضاعفة، ومنذ التحرير لم يعلق الدستور ولم تعطل الديمقراطية ولكن تجربتنا السياسية وصلت إلى القاع، وصار مجلس الأمة هو المنبع التشريعي لتكميم الأفواه ومصادرة الحريات وترك الرقابة على المال العام، ومنذ التحرير جرت عندنا تسعة انتخابات نيابية عامة لم يستمر منها سوى مجلس يتيم، وتشكلت عشرون وزارة لم تدم أيٌّ منها، ومنذ التحرير تضاعف عدد سكان الكويت ثلاث مرات من مليون إلى أربعة ملايين نسمة، ووصلت نسبة الشباب إلى 60 في المئة من مجموع السكان،

ولكن لم تُبنَ لهم جامعة جديدة أو مستشفى جديد أو مدن متكاملة أو خطوط سريعة أو هيئات ومؤسسات تتناسب مع متطلبات الحياة الحديثة والسريعة والمعقدة. القول الشهير "الله لا يغير علينا" هو سيد الموقف، ولذلك رغم كل الهموم والقلق والإحباط، كلنا نحتفل ونقول "هذي الكويت!".

أضف تعليقك

تعليقات  0