أمر عادي انسوه

أعطيكم مثالاً، مهما كان هذا المثال بسيطاً وعادياً في دولة اللااكتراث وغياب مسؤولية السلطة، وبالتالي انعدام محاسبتها، هو ما حدث قبل أيام عن تأخر رواتب مئات الطالبات والطلاب الدارسين في الولايات المتحدة لفترة طويلة،

والتي (الرواتب) تعد قوام وجود الدارسين هناك، وحدث أن وقع أمس الأول الوزير ورقة التحويل، وانتهى الأمر بعرف وزارة التعليم العالي أو الحكومة (لا فرق) بعذر ضحل هو تأخر مراقب في ديوان المحاسبة!

كلمة «تأخر» تعني بعرف الفساد الإداري اللا مسؤولية، واللا خطأ، وبالتالي لا عقاب، وعفا الله عما سلف، مثلما تعفو الذاكرة الكويتية الرخوة عن جرائم يستحيل حصرها، تتمثل في إهمال مسؤولين كبار وصغار بأداء واجباتهم سواء كان هذا الإهمال بالتأخر عن العمل أو عدم القيام به، أساساً، كما تتطلب مواصفات الوظيفة المريحة.

أو قد ترتقي خطورة الفساد من حالة الإهمال والمحسوبية والواسطة إلى جرائم الرشا للموظف العام (لا أذكر بالضبط أياً منها) أو استغلال السلطة أو خيانة الأمانة.. وغيرها من جرائم كثيرة، نجدها تتحرك نصوصاً ورقية في قوانين الدولة، ولكن ليس لها وجود حقيقي فاعل على أرض الإهمال والبيروقراطية الفاسدة في الدولة...

بينما، للمفارقة، حين يكون الحديث عن تجمعات شبابية بهدف رفض مسلك السلطة في أمر ما، أو حين يمارس المواطنون حقهم بالتعبير والنقد في مقال أو تغريدة هنا أو هناك، سبحان الله!

يقفز النص الجزائي المجرم بفعالية الضبط والإحضار والسجن الاحتياطي، مع وجبة مسبقة للمتهمين بالمطاعات والصفعات وعبارات مهينة وحاطة بكرامة البشر، على نحو ما صنعت القوات الخاصة يوم الاثنين مع متجمعي الإرادة.

«تأخر مراقب في ديوان المحاسبة»، عبارة لا يراد بها غير تكريس «اعتياد التقبل للخطأ» في اللاوعي عند المواطنين، وأن ما حدث يعد أمراً عادياً، وبالتالي تأخر مراقب أو تأخر مسؤول (مسؤولين) في وزارة التعليم العالي، أو إهمالهم، أو أخطاؤهم، كلها أمور عادية،

وهي نتيجة المصادفة والقدر، لا تختلف في مضمونها «الإهمالي» عن قضايا مثلها في عنوان اللامبالاة «العادية» كتعطل إنجاز استاد جابر، أو توقف العمل في مشاريع محددة، أو انفجار محطة مجاري مشرف قبل سنوات وتدمير البيئة البحرية، أو، أو، وعندكم الحساب، من مهزلة اختناقات المرور ومواقف المرور داخل العاصمة، حتى نصل لقضايا مثل الإيداعات والتحويلات وتفصيل المناقصات،

والحساب الرقمي الرهيب لمدير التأمينات السابق، وقبلها الاستثمارات الخارجية أيام الاحتلال والناقلات... وتظل تتدفق في بحيرة الآسن الكويتية مجاري الفساد دون توقف... لكن لا بأس، ستعتادون عليها، وكثير منا اعتادوا فعلاً عليها، فهي أمر بسيط، أو يتكرر من أمور عادية تحصل عند معظم خلق الله، خطأ... وماذا يعني الخطأ في دولة ودول تأسست حداثتها على فضيلة الخطأ... لكن إن شاء الله لن يتكرر مرة أخرى، و»قبضوا من دبش...».

هل تعرفون أنه قبل أربعة أيام توفي «لي كوان هو» مؤسس «الدولة المدينة» السنغافورية، دولة معدمة من دون أي موارد طبيعية حين استلم حكمها بعد الاستقلال عن بريطانيا والانفصال عن الاتحاد الماليزي وبها ثلاث قوميات، وحين مات كان معدل الدخل الفردي بها أعلى من نظيره في بريطانيا الدولة التي استعمرتها.

تابعت معظم ما كتب عن لي كوان في الصحف الأجنبية... هل تعرفون أن تلك الصحف العريقة اتفقت على تقييم حكمة بانه، أولاً، شخص غير قابل للفساد، والحزم والشدة بالعدل في تطبيق القانون كانا مسطرته في الإدارة، ثانياً، هل تعرفون كيف استثمر في وطنه...؟! استثمره بالإنسان السنغافوري وبتعليمه الجاد...

بينما في دولنا استثمرنا في الفساد وبتعليم أطفالنا ثقافة مع حمد قلم، وأغسل يدي قبل الأكل وبعده... هل تعرفون هذا؟ فأي مستقبل ينتظر تلك الدولة السنغافورية الغنية بثروة إنسانها؟ وأي مستقبل ينتظر الدولة الكويتية بتراكم فسادها ودمار مؤسساتها؟.

أضف تعليقك

تعليقات  0