اهدأوا قليلاً

مشاعر الكثيرين عندنا تعاني عنصريةً طائفيةً مريضةً أظهرت نفسها بدون خجل بعد تدخل دول مجلس التعاون الخليجي في فوضى اليمن التعيس والانقلاب الحوثي فيه.

يريد هؤلاء التعساء نقل الحرب من اليمن إلى الكويت بحاملة سفن وطائرات التخلف الطائفي، ووجدوا في مناسبة الحرب اليمنية فرصةً لإظهار تخندقهم بالطائفية الفاشية، وعبّروا عن ذواتهم بخطاب متعالٍ متغطرس متكبر، كأنهم حققوا انتصاراتهم الكبرى في اليمن،

وكأن الكويت مرآة لليمن. ولي بعض التحفظ هنا، فمعظم دول المشرق العربي، باستثناء مصر، تمثل، بصورة أو بأخرى، الحالة اليمنية في آخر الأمر، ولا ننسى أن اليمن هو مهد العرب الأصيل!

هناك فرق بين المعارضة لسياسات الجمهورية الإيرانية ومساندتها لنظام بشار الأسد وهيمنتها على العراق، ببركة الراعي الأميركي ودعمها للحوثيين، وبين تحميل الطائفة الشيعية في الكويت عبء السياسة الإيرانية، وكأن شيعة الكويت وكلاء حصريون للجمهورية الإيرانية. إيران في النهاية دولة تبحث عن مصالحها القومية في منطقة تغرق في رمال صحارى الطوائف والقبليات بنزعات طائفية تكفيرية متوحشة،

والمنطقة كلها يُعاد اليوم تشكيلُها من جديد من بعد اتفاقية فرساي 1919، وستتلاشى دول، هي فاشلة أساساً، لتظهر مكانها دول جديدة، أو يُعاد تقسيم تلك الدول، والسودان يعد سابقة في ذلك، وليبيا سابقة أكثر توحشاً، والمستقبل مازال مجهولاً في العراق وسورية.

ومع فرضية سحق تنظيمات مثل «داعش» و»القاعدة»، علينا ألا ننسى أن فيروسات «داعش» ستبقى في حالة خمود في النفس العربية الإسلامية ولو زالت الإمارة الداعشية، طالما ظلت الثقافة العربية على حالها المنغلق، وطالما ظلت الهيمنة الأميركية وتدخلاتها في المنطقة، بذاتها أو عبر جرائم الوكيل الإسرائيلي، باقية. أليست المنطقة تدفع الآن فاتورة تدخل بوش الابن في العراق عام 2003،

وفشل الدولة العظمى الوحيدة في إدارة الاحتلال بعد أن دمّرت الدولة العراقية وتركتها في فوضى التشرذم الطائفي والعرقي، حين قاست الولايات المتحدة وضع العراق بالمسطرة ذاتها في احتلال اليابان وألمانيا بعد الحرب الكونية الثانية دون أن تفرق في البون الحضاري والإرث التاريخي بين تلك الدول؟

ما شأننا، هنا، في الكويت كي نجر أنفسنا «بـخبيصة» المنطقة العربية الآن؟ نعرف أننا جزء منها، ونحمل الكثير من أمراضها وهمومها، لكن هذا لا يبرر الغرق فيها والمشاركة في تشظياتها بفروسية دونكشوتية فارغة، ندرك أن ظروفنا تغيّرت كثيراً بعد الثورة الإيرانية عام 1979 حين تم، شيئاً فشيئاً،

إحلال الهويات الدينية الطائفية مكان الدولة القومية، وأكملنا مشواراً قديماً بدأ مع هزيمة 1967، لكن ليس لدينا، في الكويت، بصورة عامة، الحالة الطائفية المتجذرة مثلما هي في عدد من دول المنطقة العربية، نملك بعضاً من فضيلة التسامح نحو الآخر، وإن كانت قد تقلصت كثيراً في السنوات الأخيرة، لكن يبقى أن نحافظ على هذا القدر، مهما كان ضئيلاً، فليس لنا خيار غيره إن أردنا البقاء… اهدأوا قليلاً، فحماسكم مدمر للوطن.

أضف تعليقك

تعليقات  0