هنري كيسنجر: صفقة إيران وعواقبها


يمتلك الإطار الذي أعلن عنه لاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني القدرة على توليد نقاش وطني كبير.

المؤيدون يهللون للقيود النووية التي ستفرض على إيران. والنقاد يشككون في تأثير هذه القيود على المدى الطويل في الاستقرار الإقليمي والعالمي. وتعتمد الأهمية التاريخية لهذا الاتفاق، وفي النهاية، استدامته، على ما إذا كان من الممكن التوفيق بين هذه العواطف.

وقد منع النقاش حول التفاصيل الفنية للصفقة حتى الآن البحث الذاتي الضروري فيما يخص آثارها الأعمق. ولمدة 20 عامًا، أعلن ثلاثة رؤساء من الحزبين الرئيسين عن أن السلاح النووي الإيراني يتعارض مع المصالح الأمريكية والعالمية، وأنهم على استعداد لاستخدام القوة لمنع امتلاك إيران لهذا السلاح.

ورغم ذلك، تنتهي المفاوضات، التي بدأت قبل 12 عامًا كجهد دولي لمنع إيران من امتلاك القدرة على تطوير ترسانة نووية، باتفاق يعترف بهذه القدرة، وإن لم تكن بكامل طاقتها في السنوات الـ 10 الأولى.

ومن خلال مزيج من الدبلوماسية الماكرة والتحدي الصريح لقرارات الأمم المتحدة، قلبت إيران تدريجيًا المفاوضات رأسًا على عقب. وقد تضاعف عدد أجهزة الطرد المركزي الإيرانية من حوالي 100 في بداية التفاوض، إلى ما يقرب من 20000 اليوم.

والتهديد بالحرب يقيد الغرب الآن أكثر من إيران. وبينما تتعامل إيران مع مجرد حقيقة استعدادها للتفاوض كتنازل، يشعر الغرب بأنه مضطر لكسر الجمود مع كل اقتراح جديد.

وخلال كل هذا، وصل البرنامج الإيراني إلى نقطة وصف معها رسميًا بأنه بات على بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر من بناء سلاح نووي. وبموجب الاتفاق المقترح، لن تكون إيران لمدة 10 أعوام أقرب من سنة واحدة من امتلاك سلاح نووي، وبعد عقد من الزمن، سوف تكون أقرب إلى حد كبير. التفتيش والإنفاذ يستحق الرئيس الاحترام لالتزامه بهدف الحد من الخطر النووي، وكذلك وزير الخارجية، جون كيري، لاستمراره، وصبره، وإبداعه، خلال سعيه لفرض قيود كبيرة على برنامج إيران النووي.

وقد تم إحراز تقدم في تقليص حجم مخزون إيران المخصب، وحصر تخصيب اليورانيوم بمرفق واحد، والحد من جوانب عملية تخصيب اليورانيوم. ومع ذلك، سوف تعتمد الأهمية النهائية للإطار على قابلية التحقق والتنفيذ لكل هذا.

وسوف يكون التفاوض على اتفاق نهائي صعبًا للغاية. وأحد الأسباب هو أنه لم ينشر أي نص رسمي بعد، ويمثل ما يسمى بالإطار التفسير الأمريكي الأحادي الجانب، وقد رفضت بعض بنوده من قبل المفاوض الإيراني الرئيس، وهو يختلف عن البيان المشترك بين الاتحاد الأوروبي وإيران في نواح هامة، وخاصةً فيما يتعلق برفع العقوبات، والبحوث المسموح بها، وحجم التطوير.

وهناك غموض مماثل فيما يتعلق بنافذة العام الواحد للاختراق الإيراني المفترض.

وفي مرحلة متأخرة نسبيًا من التفاوض، تم وضع هذا المفهوم مكان السماح لإيران بقدرات تقنية متوافقة مع تطوير برنامج نووي مدني معقول. ويعقد هذا النهج الجديد عملية التحقق، ويجعلها سياسية أكثر، بسبب غموض المعايير.

وسوف يكون من الصعب الكشف عن الانتهاكات في بلد كبير، وفيه مرافق متعددة، ولديه خبرة واسعة في إخفاء النووي. ووضع النماذج النظرية للتفتيش هو شيء، بينما إنفاذ هذه النماذج والامتثال لها، أسبوعًا بعد أسبوع، على الرغم من الأزمات الدولية والانحرافات المحلية الأخرى، هو شيء آخر. ومن المرجح أن يؤدي أي تقرير عن وجود انتهاك إلى النقاش حول أهميته، أو حتى إجراء محادثات جديدة مع طهران لاستكشاف صحة هذه المزاعم.

ولا يعد عمل إيران على تطوير مفاعل يعمل بالماء الثقيل خلال فترة “الاتفاق المؤقت” أمرًا مشجعًا. ومما يزيد من صعوبة الأمور هو أنه من المستبعد أن يكون اختراق الحد النووي حدثًا واضحًا. ومن الأرجح أنه سيحدث عبر تراكم تدريجي للقدرات السرية.

وعندما سوف تنشأ الخلافات التي لا مفر منها حول نطاق عمليات التفتيش، وإذا ما كانت الأدلة ناقصة، فمن الذي سوف يتحمل عبء الإثبات؟ وما هي الإجراءات التي سيتم اتباعها لتسوية المسألة بسرعة؟

وتوفر آلية تنفيذ الاتفاق الأولية، والتهديد بتجديد فرض العقوبات، الإغاثة الدائمة لإيران من العقوبات، في مقابل فرض قيود مؤقتة على السلوك الإيراني.

ولا تعد “العودة المفاجئة” للعقوبات أمرًا مرجح الحدوث، وستكون إيران في موقف يسمح لها بانتهاك الاتفاق. إن استعادة العقوبات الأكثر فعالية سوف تتطلب اتخاذ إجراءات دولية منسقة. وفي الدول التي انضمت على مضض إلى الجولات السابقة من العقوبات، سوف تتكاتف مطالب الرأي العام والتجاري ضد “العودة” التلقائية للعقوبات أو حتى المطالبة بها.

وإذا لم يتم تحديد إجراءات عملية المتابعة بشكل لا لبس فيه، فإن أي محاولة لإعادة فرض العقوبات سوف تخاطر في المقام الأول بعزل أمريكا، وليس إيران. وسوف يمكن الانتهاء التدريجي لاتفاق الإطار، بعد عقد من الزمن، إيران من أن تصبح قوة نووية، وصناعية، وعسكرية كبيرة، لديها القدرة على تطوير برنامجها النووي في أي وقت تختاره.

ولم يتم الكشف عن وضع قيود على أبحاث وتنمية إيران علنًا. ولذلك سوف تكون إيران في وضع يمكنها من تعزيز تقنيتها النووية المتقدمة خلال فترة الاتفاق ونشر أجهزة الطرد المركزي بسرعة بعد انتهاء مدة الاتفاق أو كسره. وبالتالي، يجب على المفاوضات متابعة معالجة عدد من القضايا الرئيسة بعناية، بما في ذلك وضع آلية للحد من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب من 10000 إلى 300 كجم، ومناقشة حجم تخصيب اليورانيوم بعد 10 أعوام، ومخاوف الوكالة فيما يتعلق بالجهود الإيرانية السابقة لإنتاج الأسلحة.

اتفاق الإطار والردع طويل الأجل وحتى عندما يتم حل هذه القضايا، سوف تظهر مجموعة أخرى من المشاكل؛ لأن عملية التفاوض قد خلقت الحقائق الخاصة بها.

وبالنسبة لجيران إيران تعد هذه المفاوضات حقيقة خطيرة. وفي حين قد ينظر بعض رؤساء الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط إليها على أنها تعبير عن استعداد الولايات المتحدة للتنازل عن القدرة العسكرية النووية لدولة يعتبرونها التهديد الرئيس لهم، سوف يصر العديد أيضًا على الحصول على ما لا يقل عن قدرة مماثلة.

وقد أشارت المملكة العربية السعودية إلى أنها سوف تدخل القوائم؛ ومن المرجح أن يتبعها الآخرون. وفي هذا المعنى، فإن الآثار المترتبة على التفاوض هي آثار غير قابلة للمعالجة.

وإذا ما أصبح الشرق الأوسط مليئًا بالدول النووية، وهناك عدة من هذه الدل في تنافس بشري مع بعضها البعض الآن، فعلى أي مفهوم ردع نووي أو استقرار استراتيجي سوف يقوم الأمن الدولي؟

وبعد أن افترضت النظريات التقليدية للردع وجود سلسلة من المعادلات الثنائية، هل نحن الآن على وشك الحصول على سلسلة متشابكة من المنافسات، حيث ينتج عن كل برنامج نووي جديد قيام الآخرين في المنطقة بالموازنة؟

وفي حين يفترض التفكير السابق للاستراتيجية النووية وجود جهات فاعلة هي دول مستقرة، كيف سيكون الحال في منطقة يعمل فيها الوكلاء غير الحكوميين بشكل كبير، ويتعرض فيها هيكل الدولة للهجوم، ويتم فيها اعتبار الموت في الجهاد نوعًا من الوفاء؟

وقد اقترح البعض في الولايات المتحدة أنه من الممكن ثني الدول المجاورة لإيران عن تطوير قدرات الردع الفردية من خلال توسيع مظلة نووية أمريكية لهم. ولكن كيف سيتم تحديد هذه الضمانات؟ وما هي العوامل التي ستحكم تنفيذها؟ وهل هي هيمنة إيران ما نعارضه هنا أم طريقتها في تحقيق هذه الهيمنة؟ وماذا لو تم توظيف الأسلحة النووية كعامل ابتزاز نفسي؟ وكيف سيتم شرح مثل هذه الضمانات، أو التوفيق بينها وبين الرأي العام والممارسات الدستورية؟

النظام الإقليمي وبالنسبة للبعض، تكمن أكبر قيمة للاتفاق في احتمال إنهاءه لثلاث عقود ونصف من عداء إيران للغرب والمؤسسات الدولية، وفي كونه فرصة لجر إيران في تجاه محاولة تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط. وباعتبار أن كلًا منا خدم في المناصب الحكومية خلال فترة المواءمة الاستراتيجية الأميركية الإيرانية، وشهد فوائد هذه المواءمة على كلا الدولتين وكذلك الشرق الأوسط، فإننا نرحب كثيرًا بمثل هذه النتيجة.

وإيران هي دولة وطنية هامة، لديها ثقافة تاريخية عريقة، وهوية وطنية، وشابة نسبيًا، وسكان متعلمين؛ وستكون عودة ظهورها كشريك حدثًا يعول عليه. ولكن التعاون يفترض وجود تعريفات متطابقة للاستقرار. وليس هناك أي دليل حالي على أن إيران والولايات المتحدة متقاربتان في هذا.

وحتى في الوقت الذي قامتا به بمكافحة عدو مشترك، مثل داعش، رفضت إيران تبني أهداف مشتركة. ويستمر ممثلو إيران، بما في ذلك المرشد الأعلى، في اعتناق مفهوم معاداة الغرب والنظام الدولي. وقد وصف بعض كبار الإيرانيين المفاوضات النووية باعتبارها شكلًا من أشكال الجهاد بوسائل أخرى.

وقد تزامنت المراحل النهائية من المحادثات النووية مع جهود مكثفة من قبل إيران لتوسيع وترسيخ قوتها في الدول المجاورة. وتعد القوات الإيرانية، أو المدعومة إيرانيًا، الآن العنصر العسكري أو السياسي البارز في بلدان عربية متعددة، وتعمل خارج سيطرة السلطات الوطنية أحيانًا. ومع إضافة اليمن، باتت طهران تحتل مواقع على امتداد كل من الممرات المائية الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وتطوق منافستها المملكة العربية السعودية،

وهي حليف للولايات المتحدة. وما لم يرتبط ضبط النفس السياسي بضبط النفس النووي، فإن اتفاق تحرير إيران من العقوبات سوف يخاطر بتمكين جهود إيران في فرض هيمنتها في المنطقة. وقد جادل البعض بأن مثل هذه المخاوف ثانوية، مذ أن الاتفاق النووي هو محطة على الطريق نحو التحول الداخلي في إيران في نهاية المطاف. ولكن ما الذي يعطينا الثقة بأننا سوف نثبت أننا مخضرمون في التنبؤ بطبيعة الحال الداخلي الإيراني أكثر مما كنا في توقعاتنا بشأن فيتنام، وأفغانستان، والعراق، وسوريا، ومصر، وليبيا؟

إن غياب الربط بين ضبط النفس النووي والسياسي سوف يقود حلفاء أمريكا التقليديين إلى استخلاص أن الولايات المتحدة تذعن للهيمنة الإيرانية من أجل تعاون نووي مؤقت. وسوف ينظر هؤلاء الحلفاء بشكل متزايد نحو خلق الأرصدة النووية الخاصة بهم، وإذا لزم الأمر، استدعاء القوى الأخرى للحفاظ على سلامتهم.

وقد اقترح بعض المؤيدين أن الاتفاق سيكون بمثابة وسيلة لفصل أمريكا عن النزاعات في الشرق الأوسط، وهو الاتجاه الذي بلغ ذروته في عهد الإدارة الحالية. ولكن مع استعداد الدول السنية لمقاومة الإمبراطورية الشيعية الجديدة، فمن المرجح أن يكون العكس هو الصحيح. ولن يستطيع الشرق الأوسط جلب الاستقرار لنفسه،

ولن يستطيع توازن القوى فرض نفسه بشكل طبيعي خارج المنافسة الإيرانية السنية. وهناك مصلحة استراتيجية لأمريكا في منع اندلاع حرب نووية. ويجب ألا يسمح للأسلحة النووية بأن تتحول إلى أسلحة تقليدية. حيث سيؤدي وجود أسلحة الدمار الشامل، إلى جانب المشاعر الموجودة في المنطقة، إلى تعميق التورط الأمريكي هناك.

ولذلك، يجب على الولايات المتحدة تطوير عقيدة استراتيجية للمنطقة. والاستقرار هناك يتطلب دورًا أمريكياً نشطًا. وبالنسبة لإيران، وكي تكون عضوًا قيمًا من المجتمع الدولي، فيجب أن تقبل بشرط أساسي هو ضبط النفس فيما يخص قدرتها على زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط وتحدي النظام الدولي الأوسع.

وحتى يتم التوصل إلى مفهوم سياسي استراتيجي أمريكي واضح، من المتوقع أن الاتفاق النووي سوف يعزز، بدلًا من أن يحل، التحديات في المنطقة. وبدلًا من تمكينه لفك الارتباط الأمريكي بالشرق الأوسط، من المرجح أنه سيؤدي إلى تعميق تورطنا هناك. التاريخ لن يقوم بعملنا بالنيابة عنا؛ إنه يساعد فقط أولئك الذين يسعون لمساعدة أنفسهم.


أضف تعليقك

تعليقات  0