عن العنصرية والتعصب القبلي والطائفي (2-2)


في المقال السابق ذكرنا أن ظاهرة التعصب القبلي والطائفي المقيت، أو النزعات العنصرية النتنة لا تنشأ من فراغ، فهي نتيجة أو أعراض لأمراض كامنة في المجتمع لها أسبابها الموضوعية مثل نهج الدولة وطريقة إدارتها، والمحاصصة السياسية، واحتكار السلطة والثروة،

وغياب العدالة الاجتماعية. والآن دعونا نستعرض، بشيء من التفصيل، بعض الأسباب التي أدت إلى بروز القبلية والطائفية والنزعات العنصرية وتكريسها داخل المجتمع، بحيث أصبحت "الفرعيات" تُجرى جهارا نهارا وهي، بالمناسبة، ليست مقصورة، كما ذكرنا غير مرّة، على "فرعيات القبائل"، وإن كانت أكثرها شهرة، فهناك "فرعي طائفي"، و"فرعي عائلي"، و"فرعي عنصري"، كما أنها ليست مقصورة على العمل الطلابي فقط، فهي تُجرى أيضا في انتخابات مجلس الأمة، والبلدي، والنوادي الرياضية، والنقابات، والجمعيات التعاونية.

أولا: لم يتم الالتزام بالدستور حيث المواطنة الدستورية المتساوية، وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، بل تم التعامل مع المواطنين بحسب أصولهم، ومذاهبهم، ودرجة قربهم وتملقهم لأصحاب النفوذ والقرار. أضف إلى ذلك المحاولات العديدة الرامية إلى وأد الدستور، والتي بلغت ذروتها عام 1976 عندما عُلّق الدستور وحُلّ مجلس الأمة، ناهيك عن أن العمل السياسي ظل، حتى الساعة، غير مُشهر ومُنظم على أسس مدنية ديمقراطية باعتباره تلك اللبنة الأولى لأي نظام مدنيّ ديمقراطي حقيقي.

ثانيا: لم تكن الانتخابات الفرعية سواء القبلية أو الطائفية تُجرى قبل بداية سبعينيات القرن الماضي عندما نظمت إحدى القبائل في المنطقة العاشرة آنذاك "فرعيا" محدودا بدعم وتشجيع من بعض الأطراف المتنفذة في السلطة. أما في بداية الثمانينيات وبعد أن انفردت السُلطة بتغيير النظام الانتخابي من عشر دوائر كانت مُقرّة من المجلس التأسيسي إلى خمس وعشرين دائرة انتخابية صغيرة مقسّمة على أسس قبلية وطائفية وفئوية، فقد أُجريت انتخابات فرعية طائفية في منطقة "الدعيّة" هي الأولى من نوعها ولم تمنعها الحكومة.

ثالثا: علاوة على فوضى العمل السياسي، فقد شجع النظام الانتخابي، الذي أقرته الحكومة عام 1980 (25 دائرة صغيرة)، على الانتخابات الفرعية ذات الطابع القبلي والطائفي والفئوي، والتي استفادت منها ونظمتها التيارات الدينية المتحالفة مع السُلطة وتحديداً "الإخوان والسلف"، وكانت تتم بتشجيع ودعم من بعض أطراف متنفذة سواء داخل الحكومة أو خارجها.

ليس ذلك فحسب، بل كان يتم، نتيجة المحاصصة السياسية، توزير مخرجات الانتخابات الفرعية سواء القبلية أو الطائفية والفئوية، وهو اعتراف رسمي بها مما شجع على الاستمرار في تنظيمها بطرق وأشكال مختلفة حتى بعد إصدار قانون تجريمها.

رابعا: لم يعرف العمل الطلابي أو النقابي أو التعاوني أو الرياضي الانتخابات الفرعية القبلية والطائفية والعنصرية إلا بعد أن سيطر عليه التيار الديني (الإخوان والسلف) المتحالف مع السُلطة، والذي بدأ وبتشجيع من السُلطة باستغلال الانتخابات الفرعية القبلية من أجل قيادة العمل السياسي والعام وتوجيهه.

والآن أصبحت أغلب القوائم الطلابية في الجامعة و"التطبيقي" وفي الفروع الخارجية تُنظّم "فرعيات" قبلية وطائفية وعنصرية أيضا بطرق وأشكال مختلفة. خامسا: لم تحرك الحكومة ساكنا عندما قامت، في الآونة الأخيرة، بعض الأطراف المتنفذة بتحريك أدواتها الرخيصة للطعن بشكل عنصري في الولاء والانتماء الوطنيين للمواطنين ذوي الأصول القبلية، وهو الأمر الذي شجّع على التكتل القبلي لا الاندماج الاجتماعي للمكونات المختلفة. سادسا: كلما احتدم الصراع السياسي لجأت السُلطة إلى أمراء القبائل ورموز الطوائف، كما فعلت في السنوات الأخيرة،

بالرغم من أن دورهم السياسي يختفي بعد نشوء الدولة الدستورية الحديثة التي يشترك في إداراتها جميع مواطنيها باعتبارهم أحرارا متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات. هذه بعض أسباب بروز التعصب القبلي والطائفي والنزعات العنصرية التي نراها على الساحة حاليا، والتي لا يمكن القضاء عليها أو الحد منها بالكلام الإنشائي المُرسل، بل بالبدء في تنفذ مشروع إصلاح سياسي وديمقراطي شامل وجذري من أجل استكمال بناء الدولة المدنيّة الديمقراطية العادلة التي وضع أسسها الأولية الدستور رغم كل نواقصه.

أضف تعليقك

تعليقات  0