ما بعد الجريمة الإرهابية النكراء


الوطن، في مثل هذه الظروف الحرجة والحساسة، بحاجة ماسة إلى مشروع سياسي وطني جديد يستهدف إصلاح المنظومة السياسية من أجل استكمال بناء دولة مدنيّة ديمقراطية حديثة، كما ينص الدستور، وهو الأمر الذي سيجعل المواطنين جميعا يلتفون حوله، ويدافعون عنه باعتباره مشروعهم الوطني.

أحدثت الجريمة الإرهابية البشعة التي ارتكبتها أياد خبيثة،

وراح ضحيتها أرواح بريئة وعدد من المصابين، صدمة سواء بالنسبة إلى الحكومة أو للناس عموما، على الرغم من أنه كان يفترض ألا تكون جرائم الإرهاب مفاجئة تماما لا سيما أن الإقليم غير مستقر، وتهديدات "داعش" العلنية لم تعد تخفى على أحد، ناهيك عن أن الحكومة قد سبق أن طمأنت الناس باكتمال الاستعدادات الأمنية القادرة على التنبؤ بالعمليات الإرهابية قبل وقوعها، والتعامل معها بمهارة عالية وقت حدوثها. وعلى الرغم من هول الصدمة فقد كانت ردود الفعل من عامة الناس عفوية وصادقة،

وهذا شيء طبيعي وغير مستغرب البتة، إذ إن البشر، في كل مكان وزمان يختلفون في وقت السلم من أجل الوطن لا حوله، وذلك لاختلاف المنطلقات، والرؤى، والمصالح، بيد أنهم يتضامنون ويتكاتفون أثناء الكوارث، والفواجع، والمآسي الاجتماعية،

وأيضا عند تعرضهم إلى تهديد أو اعتداء خارجي يعرض وجودهم جميعا للخطر كما هي الحال مع إرهاب الفاشية الدينية. المهم الآن هو كيف يمكن استثمار التضامن الشعبي الرائع العابر للطائفية، والفئوية، والعنصرية في إعادة تماسك النسيج الاجتماعي الوطني الذي تعرض خلال الأعوام القليلة الماضية، وبشكل غير مسبوق، إلى عملية تفتيت وتقسيم فئوي، وطائفي، وعنصري، فالشعب هو خط المواجهة الأول ضد إرهاب اليمين الديني الفاشي؟

بكلمات أخرى، هل ستتم الاستفادة من التضامن الرائع، والتأييد الشعبي لإجراءات الحكومة من خلال تحويلهما إلى قوة دفع أو رافعة من أجل الإصلاح السياسي والديمقراطي، أي إصلاح الإدارة العامة للدولة من أجل أن تكون لدينا دولة متقدمة، وخطط تنموية حقيقية لا مجرد مشاريع إنشائية لعدة جهات وأجهزة حكومية،

كما سبق أن ذكرنا مرارا وتكرارا، وهو ما أكده مؤخرا أمين عام المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية عندما كشف أنه "لا توجد خطط تنمية حقيقية سابقة، فما تم الإعلان عنه خلال الـ8 سنوات الماضية مجرد تجميع لمشاريع حكومية"! (القبس 5 يوليو2015). إن هزيمة الإرهاب تحتاج إلى استراتيجية وإصلاحات سياسية تدعم الإجراءات الأمنية لا اجتهادات فردية أو ردود فعل عاطفية، أو كلام إنشائي مُرسل عن "الوحدة الوطنية"،

أضف إلى ذلك أن التضخيم الإعلامي الذي لا يخلو، في العادة، من النفاق والتزلف و"البزنس" "مأخوذ خيره" ولن يجدي نفعا، فمثله مثل كثير من الأغاني المُسمّاه "وطنية" أو القصائد العاطفية الساذجة والخالية من أي مضمون حقيقي.

الوطن، في مثل هذه الظروف الحرجة والحساسة، بحاجة ماسة إلى مشروع سياسي وطني جديد يستهدف إصلاح المنظومة السياسية من أجل استكمال بناء دولة مدنيّة ديمقراطية حديثة، كما ينص الدستور، وهو الأمر الذي سيجعل المواطنين جميعا يلتفون حوله،

ويدافعون عنه باعتباره مشروعهم الوطني، ناهيك عن أهمية نسف السياسات العامة الفاشلة، واستبدالها بأخرى جديدة تُعبّر بالفعل عن إيمان حقيقي بدولة الدستور، والقانون، والمواطنة المتساوية، وتكافؤ الفرص.

إن وجود مشروع سياسي وطني جديد لدولة مدنيّة ديمقراطية حديثة يتساوى فيها الجميع أمام القانون سيعيد إلى مجتمعنا تماسكه الداخلي الحقيقي لا الشكلي، وسيعزز ثقة الناس بمؤسسات الدولة، وأجهزتها باعتبارها ملكا لجميع المواطنين لا حكرا على شريحة اجتماعية معينة، أو دائرة ضيقة تستخدمها متى ما أرادت،

حتى لو كان ذلك في غير أغراضها المشروعة.

أضف تعليقك

تعليقات  0