أخطاء رائجة

تكون الأخطاء قاتلة فعلاً، حينما تواصل التأثير السلبي على الخيارات المستقبلية، ويتشابه عالمنا اليوم بمواجهة مثل هذه الأخطاء.

ولكن «الخاطئين» أنفسهم، لا يتشابهون، فهم ينقسمون إلى فئتين: الأولى، مرتكبو الأخطاء، الذين يدفعون ثمن أخطائهم.

والثانية، فئة متعمدي ترويج الأخطاء لتحقيق مصالحهم.

من أشهر الأخطاء، التي جرى ترويجها منذ مطلع التسعينات، في تعسف على العلم، هي القول بـ«نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات»، اللتين تم تقديمهما باعتبارهما «نظريتين»، وهما مجرد مقولتين مبتذلتين تجاوزهما الفكر الإنساني منذ قرون، أما صاحباهما، فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون، فليسا سوى أستاذين متوسطي الإمكانات، لا صلة واضحة لهما بالفكر.

المقولة الأولى، «نهاية التاريخ»، جاءت كإعلان انتصار على المعسكر الاشتراكي، وأرادت القول أن انتصار الرأسمالية الغربية نهائي وقطعي.

غير أن تحول الرأسمالية التالي، نفسه، كذب هذه المقولة الساذجة. الثانية، «صراع الحضارات» جاءت لتبرر للرأسمالية عدوانيتها، بالقول أن العالم يعيش في ظل حضارات متناقضة تفرض على الرأسمالية القائدة تصفيتها لصالحها، في تجاهل لحقيقة أن الأمر لا يتعلق بـ«حضارات» متناقضة، ولكن بتناقضات حرجة داخل الرأسمالية نفسها، لا يمكن معالجتها إلا بتصدٍ جذري.

وهو ما تُرجم بحروب الخمس والعشرين سنة الماضية.

لقد حدد الفكر والعلم الإنسانيين منذ قرون أسس الحضارة، واستقرا على أن العالم يعيش دوماً في ظل حضارة واحدة متسيدة، فقط، ففي وقت ما تسيدت الحضارة الإغريقية، وفي آخر الرومانية، وفي ثالث العربية الإسلامية، وهذه حضارات احتضنت ثقافات متجاورة ومتزامنة.

وفي عالمنا اليوم تتسيد الحضارة الغربية، ولسبب ما تصر على تذويب كل الثقافات في نمط استهلاكي معين.

في وقت ما، كان يجري الحديث عن عالمين: «رأسمالي» و«اشتراكي».

ولكن هذه كذلك فكرة مخادعة، فالعالم كان رأسمالياً. وكانت التجربة السوفيتية جزءاً منه.

ورغم أنها، كما يقول سمير أمين، أكبر حركة تمرد في التاريخ يواجهه نظام اجتماعي اقتصادي (الرأسمالية)، إلا أنه كان مستحيلاً أن تخلق حضارة مستقلة عن العالم الرأسمالي.

علينا أن ننتبه أن الرأسمالية، التي نظرت إلى التجربة الاشتراكية بوصفها حضارة موازية، لم تحتمل هذا التمرد، وقامت بالقضاء عليه، لهذا، علينا أن نتحسس رؤوسنا جيداً، حينما يصر «الفكر» الرأسمالي أننا لسنا ثقافة داخل العالم الرأسمالي، وإنما حضارة «مستقلة»، وإن الإسلام نظام اجتماعي اقتصادي مواز!

أضف تعليقك

تعليقات  0