إرث ربع قرن من الغزو!

بعد مضي ربع قرن من الزمان لا نزال نشتكي من تردي الخدمات، ونستنجد بالواسطة لحل مشاكلنا، وقد تورمت ملفات الفساد بكل أنواعها، وتراجعت تجربتنا الديمقراطية لتبقى في القاع، وقد يكون ذلك كله ما يمكن تحمّله مرحلياً ومعالجته بإرادة حقيقية، لكن أم المآسي التي ورثناها هي الفرقة الداخلية.

بعد مرور ربع قرن على الخميس الأسود في 2/ 8/ 1990 ما زلنا نستذكر هذه الحادثة الأليمة بمرارة أكبر ونستعيد ذكريات الغزو العراقي والمشاهد الوطنية التي رسمها الكويتيون بحسرة كبيرة.

المفارقة المحزنة أننا دائماً نستشهد بالغزو ونعمل عكس دلالاته ونستعيد صورة اللحمة الوطنية ونمارس نقيضها، ونستذكر وفاء الكويتيين وغيرتهم ونأتي بغير ذلك في سلوكنا وأقوالنا وأفعالنا، حتى حوّلنا هذا المنعطف الخطير إلى مجرد شماعة أو سلعة للمتاجرة السياسية الرخيصة.

لم نكن ككويتيين أول بلد يتم غزوه واحتلاله، ولكن شتان ما بعد مرحلة الغزو والاحتلال، فالصين تم احتلالها ثلاث مرات وهي اليوم أكبر عملاق سياسي واقتصادي في العالم، وألمانيا واليابان تم غزوهما واحتلالهما وهما عمودان رئيسيان في النظام الاقتصادي العالمي، وأوروبا الشرقية والغربية تم غزوها واحتلالها لكنها اليوم أكبر كيان لاتحاد قاري على وجه الأرض، هذه بعض صور التجارب الحديثة التي استفادت من تجربتها القاسية وخرجت كنموذج جديد ومتطور.

غزو الكويت، ورغم بعده الإجرامي البغيض، يعدّ أقصر احتلال في التاريخ إذ لم يكمل سبعة شهور، والتجربة الوحيدة التي وقف العالم بأسره مؤيداً لها ومدافعاً عنها، وكانت السيولة المالية طوال فترة الاحتلال تدير حياة الناس في الداخل والخارج، ولم يتسبب الغزو في تغيير النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، والفارق الوحيد الذي شكله عدوان صدام حسين أنه عزّز مفهوم التلاحم الداخلي والوحدة الوطنية والشعور الحقيقي بمعنى ضياع البلد عند الجميع.

اليوم وبعد مضي ربع قرن من الزمان لا نزال نشتكي من تردي الخدمات، ونستنجد بالواسطة لحل مشاكلنا، وقد تورمت ملفات الفساد بكل أنواعها، وتراجعت تجربتنا الديمقراطية لتبقى في القاع، وقد يكون ذلك كله ما يمكن تحمّله مرحلياً ومعالجته بإرادة حقيقية، لكن أم المآسي التي ورثناها هي الفرقة الداخلية والانشقاق الوطني والتعددية القائمة على التطرف الطائفي والفئوي والمناطقي والقبلي، واستيراد مشاكل الآخرين من الخارج لضرب بعضنا بعضا في الداخل.

صدام حسين كان عدونا المشترك وطغيانه وحّد جميع المشارب والطوائف، لكن اليوم خلقنا لأنفسنا أعداء كثيرين لأمور خاصة بمجتمعات أخرى، فعادينا الأنظمة والشعوب في حين يطل البعض برأسه بلا حياء ليترحم على طاغية بغداد صدام حسين!

اليوم وبعد مرور 25 سنة على الاحتلال والقمع والقتل واستباحة الأعراض والممتلكات التي مررنا بقساوتها، واكتوينا بنارها، صرنا نشجّع، ونحرض، ونستبشر بما يتعرض له الناس في سورية والعراق والبحرين واليمن ومصر وليبيا وغيرها من مآس ودمار وقتل وتشريد، بسبب اختلافاتهم الداخلية، وكل طرف منا يرتضي لتلك الفئة أو الأخرى المصائب نفسها التي عانيناها، هذه هي المشاعر التي ورثناها عن تجربة الغزو فعلام نحتفل بها؟!

أضف تعليقك

تعليقات  0