هل من تاريخ سياسي للقمامة؟


حسب أدبيات العلوم السياسية فإن للدولة أدواتها كي تفرض سيادتها، فهي تحتكر القوة، وتهيمن على الشأن العام، ترغيباً وترهيباً. ولندع الترهيب جانباً "فأمره أمر"، فالترغيب، يأتي من ضمن وسائل القوة الناعمة كي تبرر الدولة سيادتها "ودياً" مثل تدبير الخدمات العامة، كالصحة والتعليم والمواصلات وغير ذلك.

إلا أنه لأمر غير مفهوم فإن مسؤولية جمع القمامة لا تذكر في الأدبيات، حتى وإن كانت الدولة تقوم به باقتدار. ويبدو أن علاقة السياسة بالقمامة أكثر أهمية مما كنا نظن. منذ أيام مرت علينا ذكرى الغزو الخامسة والعشرون.

كان الصامدون يقومون بدور الدولة في مواجهة أعتى آلة قمعية.

إحدى نتائج الغزو كانت تكدس القمامة. فكرنا كصامدين في القضايا الكبرى ككيفية التصدي للغزاة، واستعادة وطننا المحتل، وتنظيم المقاومة السلمية، وإصدار الصحافة السرية، ورفع الروح المعنوية للصامدين، والتواصل مع أهلنا في الخارج، وتوفير الطعام والرعاية الصحية، وحماية الفئات الضعيفة، وغير ذلك. لم نتصور أن يكون التعامل مع القمامة من ضمن قضايانا الأساسية.

وعندما جاء الغزاة، حاولوا فرض هيمنتهم على كل شيء تقريباً فسارعوا إلى تغيير لوحات السيارات، وأسماء المناطق والشوارع والمستشفيات وأصدروا جريدة النداء اليومية، إلا انهم لم يقتربوا إطلاقا من القمامة.

لم يستغرق الوقت طويلاً حتى نظمنا أنفسنا، وبدأ كل "فريج" يجد طريقته الذاتية في التخلص من قمامته، وما أحدثه الغزاة من إخلال في مجريات الأمور. في الأسابيع الماضية بدأت أزمة قمامة حادة في بيروت. انتشرت الأكياس أكواماً حتى سدت الطرق، وبدت بيروت بلونها وطعمها الجميل، تصاحبها رائحة كريهة هذه المرة.

المشكلة من حيث الشكل تقنية بحتة، وباختصار شديد، فقد انتهى عقد الشركة المسؤولة عن جمع النفايات، اتضح أن "مطمر" الناعمة، حيث تلقى النفايات كان من المفترض إغلاقه منذ سنوات إلا أن الإغلاق ظل يؤجل، فقرر أهل المناطق المحيطة منع الشاحنات من إلقاء حمولتها، وبالتالي تعقدت المشكلة، وبصرف النظر عن الجانب الفني فإن المشكلة تمثل انعكاساً لمأزق سياسي حاد بالطبع.

وقد قمت بمسح سريع على العديد من الدول فاتضح لي أن القمامة كانت دائماً موضوعاً للسياسة، وبالإمكان علمياً إجراء دراسة عن التاريخ السياسي للقمامة.

ويبدو أن علاقة الأنقاض، النفايات، القمامة، إعادة التدوير، بالسياسة هي علاقة وطيدة وعضوية سواء أكان ذلك في الشرق أم في أعالي البحار، وقد يأتي اليوم الذي يصدر فيه مقياس كفاءة الدول من خلال كفاءتها في التعامل مع قمامتها، والله المستعان.

أضف تعليقك

تعليقات  0