تتار القرن


تتار القرن لا ينكر مؤرخ عدل، أن التتار كانوا الواجهة العسكرية لإسقاط الخلافة العباسية، وأن المحرك السياسي هم الصليبيون، حتى ان بعض المؤرخين الأوروبيين أطلقوا على تلك الحملة التي لا مثيل لها، آنذاك، في تاريخ الإبادة الجماعية للمسلمين «الحملة الصليبية المغولية».

ونقول «آنذاك» لأن ما يحدث في العالم الإسلامي منذ خمسة أعوام ينافس على كسر الرقم القياسي ويبدو أنه سيتصدر. النساء مدخل لا شك في نتائجه لقلب كيان أي رجل، وهذا بعض أسباب ما حدث، فقد قامت الأميرة «دوكس خاتون» زوجة هولاكو المسيحية، خير دور تفخر به الكنيسة، بتجنيب أوروبا المسيحية أهوال الغزو التتاري وتحويله إلى بغداد والأمة الإسلامية، فلماذا ذلك؟ السبب حب هولاكو للمسيحيين، يقول الأسقف «دي مسنيل»: إن هولاكو معروف عنه ميله للمسيحيين «النساطرة» (والنساطرة هم نصارى كانت لهم سطوة ونفوذ وهيمنة على مناصب الدولة وسلطاتها في امبراطورية جنكيز خان) وكان قائد جيش هولاكو منهم ويدعى «كيتبوكا».

واعترف الأسقف المذكور بأن حملة التتار على بغداد كانت صليبية بالكامل، وهلل لها المسيحيون، ولم لا يفعلون وقد صدرت أوامر بتقتيل المسلمين فقط والحفاظ على المسيحيين، أرواحهم وأموالهم فكانت نجاتهم على يد هولاكو المخلص الجديد.

ويصف التاريخ مشهد الخليفة المعتصم بالله وهو يسير بنفسه وأولاده وحاشيته إلى معسكر هولاكو بعد أن يئس من أي حل لإنقاذ بغداد من السقوط منتظرا مصيره، وتبعه وجهاء وأعيان الدولة، حتى تم إعمال السيف بهم جميعا، رضع وأطفال وشباب، نساء ورجال وشيبة، لم يبق أحد يمكن أن يبلغه السيف ونجا.

وبعد مذبحة الصفوة انتقل هولاكو للعامة وأبادهم حتى بلغ القتلى مليونا وستمائة ألف، بناء على التأريخ، وتحول الفرات إلى اللون الأحمر من هول الدماء التي فاضت في مجاريه، تلك دماء المسلمين، بينما كانت دماء المسيحيين معصومة.

هل هناك ذل أكبر من ذلك؟! يسلم الخليفة نفسه ونسله وتتبعه الحكومة والتجار، ويقتلون جميعا وهم عزل، وتذبح الأمة جهرا وعمدا وبلا قدرة على حمل كف تراب تنثره في وجه العدو دفاعا عن النفس، عار لا يشبهه إلا العار الذي تمر به أمة محمد صلى الله عليه وسلم اليوم.

أشار الباحث محمد علي الغتيت في كتابه «الغرب والشرق» الذي اعتمد على المصادر التأريخية الفرنسية منفردة لتقصير مؤرخي العرب، الى أن ميل هولاكو للمسيحيين سبب طمع لويس التاسع في أن يشكل حلفا عسكريا مشتركا مع المغول، بعد أن دعا إلى فرنسا رجالا من بطانة وحاشية أمير المغول ليفاوضهم في هذا الشأن، فيكون دور المغول غزو العراق وتدمير بغداد وإسقاط الخلافة، ودور الصليبيين إعاقة الجيش المصري عن مساعدة المسلمين.

وفي مطلع العام 1249 أرسل لويس هدايا فاخرة لأمير المغول مع وفد برئاسة الراهب «أندريه دي لونجيمو»، وتم له ما شاء.

وكان المخطط له أن يكون مصير دمشق والقاهرة مثل مصير بغداد، لولا هزيمة التتار أمام الجيش المصري في «عين جالوت» ومقتل القائد النسطوري «كيتبوكا» والاقتتال بين هولاكو المسيحي الهوى مع قائد آخر له في جيشه يميل للإسلام، فانشقت صفوف التتار وانتصر المسلمون.

لقد كان نصر المسلمين بسبب ضعف الآخر لا بسبب قوتهم للأسف، والمشهد يتكرر اليوم، وأزيد عليه أنهم رغم تهلهل عدوهم، إلا أنهم مهزومون لانشقاقاتهم من الداخل وخذلانهم بعضهم بعضا. من ينسى وطأة القرنين الهجريين السادس والسابع على الأمة الإسلامية؟ إلا أنه لم يرتد أحد من المسلمين عن دينه.

وفي مطلع القرن الثامن تراجع العرب عن قيادة الأمة وتقدم الأتراك، وترحيب العامة من المسلمين بالدولة العثمانية ليس إلا كمثل من يتلقف راية الخلافة قبل سقوطها ليرفعها عاليا وهو يرى أن أشلاء الأمة في القرنين السادس والسابع لم تتراكم هدرا وهاهي الراية تغرس في لحمها.

التاريخ يسير في دوائر وهذه سنة إلهية لا تتبدل في الصراع بين الحق والباطل، ونتيجتها أن الأول منصور والثاني زاهق لا ريب، والمطلوب منا (إن تنصروا الله ينصركم)، فهل نحن الآن أمة ناصرة لتنصر؟ لكل عصر تتار، والتتار الذين هم السبب في سقوط رؤوس المسلمين اليوم معسكرا داعش وحزب الله، وإن لم نحاربهم فما نصرنا ديننا، ولننتظر السوق للإبادة من العراق إلى اليمن والشام وحتى الخليج، بدعوى إعلان الخلافة الإسلامية من هؤلاء، والحرب على إسرائيل ودخول فلسطين من هؤلاء. kholoudalkhames@

أضف تعليقك

تعليقات  0