في الحقيقة...


العطلات غاية العاملين طوال العام، والعامل هنا يشمل كل من لديه التزام «رسمي» في وظيفة أو مدرسة أو جامعة، العامل الذي ينتظر الإجازات بالطبع هو من يعيش حياة اللاراحة في العام الوظيفي أو الدراسي فتكون العطلة بالنسبة إليه رحلة تجديد الحياة وسقيا لإنسانيته. هل تظنون الفقرة أعلاه صحيحة مطلقة؟ لا. وسأسرد لكم، باختصار يلائم طبيعة المقال، ما سينسفها من قاعها.

في برنامج دراسي مكثف احتضنت تنفيذه ست ولايات أميركية اجتمع طلبة من أنحاء العالم لا يشتركون إلا «في التزام إتمام هذا البرنامج للحصول على إجازة علمية فيه»، وكان الجميع على مختلف خلفياتهم الدينية والثقافية وفئاتهم العمرية، وعلى اختلاف عاداتهم وقيمهم وما يحبون وما يبغضون، على الرغم من الغربة ومشقة البرنامج وكثافة المادة العلمية وإرهاق التطبيقات العملية، الجميع ملتزم كمسطرة خياط فوق قماش مطيع! لاحظ أن اختيار الولايات كان يعتمد على التعددية، فلكل ولاية خصوصية مناخية وسكانية وصفات وملامح المعمار والشوارع والمقاهي وطبيعة حياة، تجعل من أعضاء البرنامج على محك تجربة مختلفة في سرعة الانسجام، أو بتعبير أدق التأقلم مع المتغيرات التي ذكرتها.

ولكن ليس كل تأقلم محمودا! كانت إيمان المسلمة من «إحدى دول الشام»، تحفظا على ذكر الدولة منعا للتعميم الخاطئ، تشرب الخمر وبدأت علاقة خاصة مع أحد أعضاء البرنامج «ملحد روسي» يعمل نهارا بجدية فائقة، وتفوق في التحصيل العلمي، بينما يمرح معها ليلا، هي رسبت ولم تحصل على الاجتياز، أخذت لعبته معها على محمل «العلاقة» الحقيقية، فدفعت الثمن.

الباكستانية الخمسينية كان جل همها أن تملأ استمارات الهجرة، والتعرف على إمكانية ألا تعود الى بلدها، احتمالات البقاء في وسط «الحلم الأميركي»، لا مع هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كانت إمّعة تتبع كل من يلوح لها بمعلومة تنقذها من وطنها، حسبت أن أميركا تمتلك الحقيقة كاملة، كلها، فآثرت التحول إليها، لم تنجح، ولم تفلح، هكذا يكون الوهم مسيطرا عندما يفقد الإنسان بوصلته.

«راؤول الهندوسي» كان يجلس كل جمعة يستمع الى سورة الكهف والتي كانت تقرؤها إحدى العضوات باهتمام بالغ ويتساءل عن سبب شعوره بالكلمات رغم أنه لا يفهمها، ولشغفه بتلك الأسباب بدأ يبحث عن الحقيقة، صار كحارس شخصي للفتاة يوفر لها مكان الصلاة إن كان «الوضع العام» لا يسمح، ويرافقها إلى المكتبة ومراكز البحث مساء لئلا تتعرض الى مضايقات، وكان يجلس معها للطعام لأنها ترفض الجلوس على طاولة تقدم الخمر،

وتفاصيل كثيرة انتهت بإسلامه بعد العودة من هذا البرنامج، وكتبت عنه تفاصيل في مقال قبل أعوام بعنوان: «وحججت مع راؤول».

علي «البوسني الجميل» كما تطلق عليه «الأخت الشامية» التي تركز على الأمور السطحية، كان يروج لشركة التسجيلات التي يمتلكها في بلده، مسلم مهذب ومحترم، تبين ذلك من انضباطه بالمنحة الدراسية ليليق ببلده كأنموذج، وبصلاته الجمعة في المسجد،

كان يقول: نصلي في البيت بعضا من الصلوات الخمس ولكن الجمعة لا لا، يجب أن نصليها في المسجد، وليس في كل ولاية كان يوجد مسجد قريب، فكان منه في إحدى الجمع أن اقترح على المسلمين، وهم قلة، إقامة الجمعة في صالة السكن، ووافقت المشرفة العامة اليهودية أن تكون الصالة مجانا لمدة ساعة فقط، ولأنه يؤمن ويعتقد بحجم أهمية صلاة الجمعة «تصدر لخطبة عامية تتناول معنى إقامة الجمعة بالنسبة له» وكيف أن على المسلم ألا يفوّتها لأي سبب كان.

الأعضاء كانوا يفوقون المائة، والمساحة هنا لا تحتمل أكثر من ثلاث أو أربع قصص، ولكن المغزى فيما وراءها، كم حقيقة لم تكن كذلك بعد ذلك؟! راؤول كان هندوسيا صار مسلما، الشامية كان ينظر إليها كمسلمة عربية فتبين أنها «.......»

الباكستانية اختيرت لتمثل بلدها في البرنامج، لكن الحقيقة المخفية أنها تكره وطنها وتريد الخروج منه بأي ثمن. علي «الجميل الطلة» كممثل هوليوودي مهاجر، خطيب جمعة يرتدي «غطاء الرأس – القحفية» ويعظ بأهمية إقامة الجمعة تحت أي ظرف! هكذا نحن نعيش في حياة ممتلئة بالأفكار الواهمة عقولنا في صحتها وحقيقتها، وعواطفنا تغذيها بالرعاية والاحتواء لتنمو وتكبر وتسيطر علينا وتبتزنا لتقتات على جهلنا وإصرارنا على حماية ما نعرف لا أن نعرف الحقيقة. بالنسبة لي، كل ما أكتبه لكم أعايشه وأفكر به وأكون جزءاً منه بشكل ما، لم تعد لأي حقيقة القوة لتسيطر على تفكيري، وصرت أرى الأحداث في إطار ظروفها المكانية والزمنية والمتاح. القصة السابقة كنت أحد شخوصها،

وكنت في أول بداية حجابي، ولهذه سردية أخرى قد يتسنى لها نشر يوما ما، وتعلمت منها ومن متراكم القصص الأخرى في حياتي، أن الحقيقة ليست حقيقة دائما، الوهم ليس كذلك أبدا، والحلم قد يتحقق يوما. قس على ما سبق: كم حقيقة في حياتك تتطلب مراجعة؟!

kholoudalkames@

أضف تعليقك

تعليقات  0