تركيب دماغك ... يتغير حسب تخصصك : بقلم - د. هيا إبراهيم الجوهر

 يشتكي المرضى من عدم اهتمام أو مبالاة الأطباء بأوجاعهم، ويعتقدون أن تبسيط الطبيب شكواهم هو تقليل من شأنهم، وعدم إحساس بمعاناتهم، بينما يجدون تعاطفا أكثر عندما يشتكون لأشخاص بعيدين عن المجالين الطبي أو العلمي، فهل ما يشعر به المريض حقيقة أم وهم؟

صنَّف البروفيسور سيمون بارون البشر في نظريته عن "عقل الأنثى العاطفي وعقل الذكر التنظيمي" (empathizing-systemizing theory)، إلى نوعين – بناء على ملاحظة السمات العامة لسلوك الجنسين – الإناث أكثر قدرة من الذكور على فهم عقول الآخرين ونيَّاتهم والتواصل معهم،

بينما ينصب اهتمام العقل الذكوري على التنظيم والتخطيط للأمور الكبرى،

وبالتالي ضآلة قدرته على التعاطف مع ما يدور في عقول الآخرين. وهذا أوجد سؤالا آخر: هل ردة الفعل تجاه الأمور تعتمد على طبيعة الشخص الإنسانية أم على تخصصه ونوع دراسته؟

هذا التساؤل دائما ما يوجد جدلا بين أصحاب التخصصات العلمية والأدبية "الإنسانية"، خصوصا مع وجود عدم توافق فكري بين الأصدقاء والزملاء من أصحاب التخصصات المختلفة،

لدرجة أن البعض ذهب إلى القول إنهم ليسوا مختلفين في طريقة التفكير فقط، بل حتى في تركيب عقولهم!

وبناءً عليه قام هيكارو تاكيوشي عالم الأعصاب الياباني ومجموعته بدراسة تركيب أدمغة 491 طالبا مختلفين في العمر والنوع وحجم المخ. من خلالها توصلوا إلى نتائج مذهلة ومحيرة في نفس الوقت، لقد وجدوا أن هناك اختلافا ملموسا بين تركيبة مخ خريجي الكليات العلمية والأدبية "الإنسانية"،

فالذين درسوا العلوم البحتة لديهم نسبة أكبر من المادة الرمادية في قشرة الفص الجبهي الأوسط، بينما يمتلك من درسوا المواد الإنسانية والأدبية كثافة أكبر للمادة البيضاء حول الحصين الأيمن! وارتفاع نسبة المادة الرمادية لدى طلاب العلوم تجعل مشاعرهم أخف حدة، ومستوى تعاطفهم مع الآخرين!

وأعتقد أن الدراسة أوجدت ما يبرر تلك الفروقات في التعامل مع الآخرين، وردات الفعل تجاه الأحداث من حولنا بين أصحاب التخصصات المختلفة، يتساوى في ذلك الجنسان،

فقد تجد ذكورا يغلِّبون العاطفة، وإناثا عكس ذلك تماما، خصوصا مَن تخصص وعمل في مجاله لسنوات طويلة، فتجد أن سمات معينة طغت على تصرفاته، وحكمه على الأمور.

فما تدرسه كل فئة يؤثر بشكل كبير في تطور الدماغ، فأولئك الذين يدرسون العلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات نجدهم يتعاملون مع قوانين ونظريات تحكم تفكيرهم، وتجردهم من أي مشاعر،

فينطبع ذلك في سلوكهم، ليصبح صفة مميزة لهم، وهذا طبعا شيء نسبي يختلف من شخص إلى آخر.

أما الذين يدرسون العلوم الإنسانية والأدبية من تاريخ وجغرافيا وفلسفة وعلم اجتماع،

فهم في الواقع يتعاملون مع البشر والمجتمع بشكل مباشر، ما يطور من قدراتهم على التواصل مع الآخرين بشكل أفضل.

أضف تعليقك

تعليقات  0