إعدام «الطليعة»


يوم الأحد الماضي (22 الجاري)، صدر حكم محكمة التمييز برفض الطعن بحكم محكمة الاستئناف، القاضي بتصفية "الطليعة"، بناء على دعوى قدمها أحمد المنيس، نجل المغفور له الأخ الفاضل الشهم والصديق سامي أحمد المنيس.

وبحكم محكمة التمييز، يتحقق إعدام "الطليعة"، ذات التاريخ الوطني المشرف. فقد كانت "الطليعة" منذ صدورها عام 1962، وعلى مدى 53 عاماً، منبراً للدفاع عن حق الشعب، والصوت المعبّر والمدافع عن مطالبه الوطنية، وقد تعرضت "الطليعة" للإيقاف والتعطيل عدة مرات، وخاصة في فترات تعليق العمل بالدستور، وحل مجالس الأمة..

وفي تلك الفترة كانت الصوت الذي تنتظره قطاعات واسعة من أبناء الشعب في المعارك السياسية، وعلى الأخص معارك تعديل الدستور لإلغاء صلاحيات مجلس الأمة، وكان ذلك بعد حل المجلس وتعطيله مدة أربع سنوات، للنظر في ما سمي بـ"تنقيح الدستور".

ولم تكن "الطليعة" خلال تلك الظروف مشروعاً تجارياً، بل كانت مشروعاً وطنياً يتحمل الخسائر المالية، التي كانت تغطى بالتبرعات من أصحاب الضمائر الوطنية. وكذلك، بعد حل مجلس الأمة عام 1986، وإقدام السلطة على تعديل الدستور عام 1990، بالنص على إلغاء مجلس الأمة، واستبداله بما سمي آنذاك بـ"المجلس الوطني"، الذي جرى انتخابه وسط مقاطعة شعبية واسعة.

لقد كانت "الطليعة"، على امتداد تاريخها، شعلة تضيء طريق الكفاح الوطني، للتمسك بمكاسبه، وحماية الدستور، والسعي لتحقيق التحول الديمقراطي، الذي قال عنه المغفور له الشيخ عبدالله السالم في خطابه لإقرار الدستور إنه خطوة لاستكمال شروط الديمقراطية.

القضية بدأت، بعد وفاة المرحوم سامي المنيس، بمطالبة ابنه أحمد بملكية "الطليعة"، على اعتبار أنها ملك والده، الذي لم يورث لهم شيئاً، وفق قوله، ولاسيما أن امتياز إصدار "الطليعة" كانت له قيمة مالية كبيرة، آنذاك، قبل فتح المجال لإصدار تراخيص الصحف (حيث لم يتم إصدار تراخيص جديدة منذ عقد الستينيات)، وفي تلك الفترة كانت لامتيازات الصحف قيمة كبيرة، وهذا ما حدث على سبيل المثال بالنسبة لجريدتي "الوطن" و"الرأي العام"، وكذلك وردت عروض كثيرة لشراء ترخيص "الطليعة" بمبالغ كبيرة، لكنها لم تقبل، ولم يكن من الوارد بالنسبة لنا بيعه.

وخلال نقاش بين أحمد المنيس وبقية الشركاء، وهم: د. أحمد الخطيب وأحمد النفيسي وعبدالله البعيجاني وعبدالله النيباري، تم توضيح وضع "الطليعة" له، بأن الشركاء المسجلة بأسمائهم "شركة الطليعة للطباعة والنشر" لا يملكونها ملكية شخصية حقيقية، فـ "الطليعة" مشروع وطني أقرب منه إلى المشروع الخيري، وهم ليسوا ملاكاً، بل أوصياء، فقد صدرت باسم المرحوم عبدالرزاق خالد الزيد الخالد، نيابة عما يمكن أن نطلق عليه "جماعة الطليعة"؛ ومنهم د. الخطيب وجاسم القطامي وعبدالرزاق الخالد وسليمان أحمد الحداد وسليمان خالد المطوع وراشد التوحيد وسامي المنيس وعلي عبدالرحمن العمر (وهم نواب في مجلس الأمة الأول)، وبقية رفاق الدرب، أي إنها تعد جريدة للتيار الوطني، آنذاك.

وفي عام 1963، انتقل ترخيص "الطليعة" من عبدالرزاق الخالد إلى سليمان الحداد، ثم إلى سامي المنيس، ولم يحصل الخالد والحداد على مقابل مادي، نظير تنازلهما، ولم يدفع سليمان الحداد ولا سامي المنيس شيئاً مقابل تنازل عبدالرزاق الخالد، من ثم تنازل سليمان الحداد بعد ذلك، وبقي المُلاك الحاليون أوصياء لا يملكون حصصا شخصية. تم توضيح كل ذلك لأحمد المنيس، إلى جانب أن جريدة "الطليعة" كانت مدينة لـ "شركة الطليعة للطباعة والنشر"، وكانت "الطليعة" حينها تتكبد خسائر متواصلة، وتمول من الشركة التي تدير المطبعة، ومن التبرعات التي يقدمها أصدقاؤها، وأظهرت ميزانية جريدة "الطليعة" عجزاً، آنذاك، قدر بـ 217 ألف دينار.. وبالتالي، فإن الحصول على امتياز "الطليعة"، وقتها، كان "مغرماً لا مغنماً".

توقيع الوثيقة وفي 28/ 6/ 2001، وافق ورثة سامي المنيس وبقية الشركاء على توقيع وثيقة سميت "عقد اتفاق ملزما"، أقروا فيها بالتالي: "يقر أطراف العقد بأن مجلس الإدارة هو مجلس وصاية يعمل على حُسن إدارة المؤسسة وتنميتها، لتحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، ولا يجوز لأي منهم تحقيق أي منفعة مادية ذاتية، مباشرة أو غير مباشرة، من ورائها"، وهذا العقد (الوثيقة) هو بمزلة عقد شرف، قبل أي شيء آخر.

وفي عام 2008، تقدم أحمد المنيس، نيابة عن بقية الورثة، بدعوى أمام القضاء، يطالب فيها بتصفية شركة "الطليعة"، بعد تقدير أصولها، وأهمها حق الانتفاع بالقسيمة الصناعية المقامة عليها المطبعة، والأرض والمباني التي عليها هي أهم الأصول، إذ قدرت بمليوني دينار، ولو تمت تصفية الشركة، فإن نصيب أحمد المنيس والورثة قد يصل إلى 400 ألف دينار، أقل أو أكثر، وفق القيمة السوقية.

وقد صدر حكم المحكمة الابتدائي، برفض الدعوى، فتقدم أحمد المنيس بدعوى أمام محكمة الاستئناف، بإلغاء الحُكم الابتدائي، وصدر حكم الاستئناف، بحل وتصفية شركة الطليعة، وأرجعت المحكمة سبب اتخاذها لهذا الحكم، أن العقد الذي وقعه الشركاء، بمن فيهم ورثة المرحوم سامي، لم يوثق بشكل رسمي، أي لدى المحاكم والجهات المختصة... وبالتالي، تعد وثيقة عرفية معدومة القيمة، بعدها تقدم الشركاء الأوصياء الآخرون بدعوى أمام محكمة التمييز، بإلغاء الحُكم المستأنف..

وبعد نظر الدعوى، قررت محكمة التمييز النطق بالحُكم يوم 22/ 11/ 2015 برفض الطعن، وتثبيت حكم الاستئناف. ونحن في "الطليعة"، إذ ينتابنا شعور بقسوة الأحكام القضائية التي صدرت بحق "الطليعة"، وآخرها تغريمها بـ 20 ألف دينار، على خلفية تقارير نشرتها، كانت قد تناولتها صحف أخرى، إلا أنها لم تُحاسب عليها، وذلك لأنه ربما لم تتقدم وزارة الإعلام بتحريك قضايا ضد هذه الصحف، مثلما ترصدت لجريدة "الطليعة"، فالحكم الذي صدر بتهمة المساس بالقضاء لم يصدر بناء على دعوى منه، وإنما بتحريك من قِبل وزارة الإعلام.

وفي النهاية، أود أن أبين أمرين؛ الأول: موقف "أم أحمد"، أرملة المرحوم سامي المنيس، والأخ عبدالوهاب المنيس (شقيق سامي)، الرافض والمعارض للدعوى، حرصاً على المحافظة على نقاء رصيد سامي المنيس وإخلاصه وتضحياته لقضايا الشعب في العمل الوطني،

وعلى نقاء عائلة المنيس الكريمة، التي قدمت الشهيد محمد المنيس فداءً للوطن، وقد حاول كلاهما (أم أحمد وعمه عبدالوهاب) ثني أحمد عن المُضي في الدعوى، لكن جهودهما لم تفلح. والثاني، أن كثيرا من أصدقاء "الطليعة" والحريصين عليها تقدموا بمفاتيح بيوتهم، ليضعوها تحت تصرف "جماعة الطليعة"، حماية لها، ولكي تستمر في أداء دورها الوطني..

فلهم منا جزيل الشكر.

أضف تعليقك

تعليقات  0