ماذا نريد؟ .. وماذا نعطي؟ - بقلم أ.د.سعد علي الحاج بكري

لعل كل فرد منا يتساءل بين حين وآخر ما هو هدفي، ما رغبتي، أو ماذا أريد؟ وربما يخطو خطوة أخرى إلى الأمام ليتساءل أيضا ماذا أعطي، أو ماذا أستطيع أن أقدم؟

هذان التساؤلان يضعان الإنسان في الميزان بين ما يطمح أو يتطلع إليه من جهة، وبين ما يستطيع أن ينجزه أو أن يعطيه للوصول إلى ما يتطلع إليه من جهة أخرى.

وليس وجود مثل هذا الميزان مقترنا بمستوى الإنسان الفرد فقط، بل هو موجود أيضا على مستوى كل "وحدة استراتيجية" لها خصوصيتها الذاتية، بدءا بالإنسان الفرد، ثم الأسرة، فالمؤسسة، فالدولة، فالمجموعات الدولية، وربما العالم بأسره.

يتوافق ما سبق مع ما يقال في التخطيط عن "رؤية" المُؤسسات أو الوحدات الاستراتيجية وعن "رسالتها". فلكل وحدة استراتيجية رؤية، ولها أيضا رسالة.

وتقول معايير "المنظمة الدولية للمواصفات المعيارية ISO" إن رؤية المؤسسة يجب أن تجيب عن التساؤل الخاص "بالهدف" الذي تسعى المؤسسة إليه،

"ماذا تريد أن تكون"؛ وتقول معايير هذه المنظمة أيضا إن رسالة المؤسسة يجب أن تجيب عن التساؤل الخاص "بالعمل" الذي ستقوم المؤسسة بأدائه، "ماذا ستقدم أو ماذا ستعطي؟".

وبين رؤية المؤسسة ورسالتها تبرز كفتا ميزان "الهدف" أو ما نريد من ناحية، و"العمل" أو ما سنعطي من ناحية ثانية، لتقولا معا "إن من يريد شيئا ويرغب فيه، عليه أن يقدم شيئا كي يصل إليه".

ولا شك أن هناك تناسبا بين الهدف وما نريد، وبين العمل وما نستطيع أن نعطي.

فكلما كانت تطلعاتنا أكبر كما ونوعا، كان العطاء المطلوب أكبر كما ونوعا أيضا. وينطبق هذا الأمر ليس فقط على مستوى الفرد، بل على جميع مستويات الوحدة الاستراتيجية سابقة الذكر.

ولكن يبقى "الإنسان" هو القاسم المشترك على جميع هذه المستويات لأنه هو "العنصر الحي" الذي يقود جميع الوحدات الاستراتيجية وهو أيضا "العنصر الحي" في أدائها لأعمالها المختلفة. وعلى ذلك فإن تأهيل الإنسان وتفعيل إمكاناته هو طريق التطلعات الطموحة للوحدات الاستراتيجية،

والأعمال المطلوبة التي عليها تنفيذها. ويحتاج إطلاق طموحات الإنسان وتفعيل إمكاناته ليس فقط إلى تأهيله بالمعرفة والمهارات، بل إلى الاستجابة أيضا إلى متطلباته واحتياجاته الإنسانية. ولعلنا نستعين في طرح هذه المتطلبات والاحتياجات "بهرم ماسلو"، الذي وضعه عالم الاجتماع "أبراهام ماسلو" عام 1943.

ويعبر هذا الهرم عن احتياجات الإنسان من خلال شكل هرمي يتكون من خمس طبقات رئيسة. تبدأ هذه الطبقات بالاحتياجات المادية الأساسية كالهواء والماء والطعام؛ ثم تهتم باحتياجاته الأمنية أي البيئة الآمنة من العنف والآمنة في العناية الصحية وفي العمل؛ ويلي ذلك قضايا العلاقات الاجتماعية والأسرية؛

ثم بيئة المُجتمع والاحترام المتبادل؛ وصولا إلى بيئة تمكين الإنسان من إطلاق مواهبه وقدراته وتحقيقه ذاته. ولعله من حسن الطالع أن البشر يختلفون في توجهاتهم وإمكاناتهم ومواهبهم، لأن هذا الاختلاف يقودهم إلى اهتمامات مختلفة تغطي مختلف شؤون الحياة التي تحيط بالإنسان.

فإذا كان الإنسان متميزا في أمر ما كالزراعة أو الصناعة أو التجارة أو الطب، فإنه يستطيع أن يقدم خدماته للآخرين في مجال تميزه، وأن يتلقى بالمقابل خدمات الآخرين في مجالات تميزهم. هذا التفاعل التلقائي بين البشر، عبر اختلاف تميزهم، هو ما أطلق عليه الاقتصادي الشهير "آدام سميث"، الذي عاش في القرن الثامن عشر للميلاد، تعبير "اليد الخفية" التي تحرك التفاعل الاقتصادي بين البشر.

وفي إطار كل مجال من مجالات الحياة يكون هناك متنافسون على التميز في هذا المجال أو ذاك. ولا شك أن في هذا التنافس إيجابيات، إذا تم في إطار الفضيلة والحكمة والأخلاقيات المهنية، بعيدا عن أي صراع. مثل هذا التنافس يقود إلى تفعيل التفكير بين المتنافسين في المجال المقصود،

وتقديم إبداعات وابتكارات جديدة أو متجددة فيه. وهذا ما يزيد من إمكانات اليد الخفية ليس فقط في التعاون، بل في التنافس الإيجابي والتقدم أيضا.

يحتاج كل فرد منا، وتحتاج كل مؤسسة، بل وكل أمة إلى مجال واحد أو أكثر تكون قادرة فيه على التميز والتنافس. ولعل نقطة الانطلاق إلى ذلك تبدأ من "الرؤية" أي أن نقول: "ماذا نريد؟"،

ومن الرسالة أي أن نحدد "ماذا علينا أن نفعل؟". وبين كفتي ما نريد وما نستطيع أن نفعل تبرز مسألة التخطيط والإعداد والعمل على تحقيق الجاهزية المطلوبة لحمل لواء رسالة العمل نحو تحقيق الرؤية المنشودة.

وربما نعود إلى طرح مسألة التخطيط بشيء من التفصيل في مقال قادم بمشيئة الله. الإنسان المتميز والقادر على المنافسة وعلى "تحديد ما يريد، وما يجب أن يفعل" هو جوهر المؤسسة المتميزة والقادرة على المنافسة.

وفي العالم اليوم مؤسسات ودول عريقة في ذلك، وفيها أيضا مؤسسات ودول حققت قفزات هائلة خلال العقود السابقة. ويذكر في هذا المجال أن "سنغافورة" الدولة الصغيرة احتفلت هذا العام 2015 بمرور "50 عاما" على استقلالها وبداية نهضتها الحديثة.

وتتنافس هذه الدولة المتميزة اقتصاديا على المركز الأول بين دول العالم في الإبداع والابتكار مع كل من "سويسرا" و"السويد". اليابان التي هزمت في الحرب العالمية الثانية قبل سبعين عاما،

وعانت من قنبلتين نوويتين على بلدتيها "هيروشيما" و"نجازاكي" حددت ما تريد وفعلت ما يلزم لتتميز وتكون قادرة على المنافسة في مجالات عدة. سيارات الشركات اليابانية تجول اليوم في كل أنحاء العالم، حتى في الدول التي انتصرت سابقا على اليابان، وبالذات في الدولة التي أطلقت عليها القنبلتين النوويتين.

والأكثر من ذلك هو أن السيارات اليابانية باتت تصنع في هذه الدول بإشراف المهندسين اليابانيين. نأمل من مؤسساتنا وشركاتنا، ومن مستثمرينا أصحاب رؤوس الأموال،

التعاون مع المؤهلين وأصحاب الإمكانات المعرفية المتميزة في المجتمع، على تحديد "مسارات تميز"، تطرح فيها "أهداف وطموحات"، وتبين من أجلها "الجهود والأعمال" التي يجب تنفيذها من خلال تفعيل "ثروتنا البشرية".

نأمل أن نرى سلعا نصنعها وخدمات نقدمها، يرغبها الناس في مختلف بقاع الأرض، وتؤمن لنا موارد متجددة نحتاجها في بناء مستقبل مشرق لهذه الأمة بمشيئة الله.

أضف تعليقك

تعليقات  0