اللاجئون السوريون ورومانسية العلمانيين!


ماذا يعني إقرار الاتحاد الأوروبي دعم تركيا بثلاثة مليارات دولار من أجل اللاجئين السوريين؟ أطرح هذا السؤال للإجابة على انطباعاتٍ ساذجة سوّقها المناوئون لكل ما له صلة ولو من بعيد بالاتجاهات والنجاحات الإسلامية.

فيقولون: إن أوروبا والغرب عموماً أكثر إنسانيةً في التعامل مع المشردين واللاجئين السوريين من تركيا المسلمة! وفي العودة إلى الإجابة عن سؤال المليارات الأوروبية الثلاثة لتركيا نقول إنها اعترافٌ رسميّ معلنٌ بعجز أوروبا عن استيعاب اللاجئين وإدارة شؤونهم رغم أن القوانين المحلية في أوروبا والاتفاقيات الدولية تنظّم وضع المهاجرين إلى بلدان القارة العجوز.

إلا أن هذا التدفق غير المحسوب على صعيد الكم ( العدد ) وصعيد ( الهوية ) قد أربك قدرات أوروبا الإدارية والقيمية، كما أن حسابات الإسلاموفوبيا فرضت نفسها على القرار الأوروبي ما جعلها تلوذ بأنقرة مستجدية النجدة للخروج من مأزقها.

ثم من قال إن الأتراك طردوا اخواننا السوريين من بلادهم؟!

والحق أن اللاجئين لم يتعرضوا إلى الإهانة والاستغلال في تركيا ولم تمارَس معهم ألاعيب الاضطهاد وإنما أراد اللاجئون من خلال عبور تركيا إلى أوروبا مراعاة لحالة الاكتظاظ والتشبع التي حصلت في تركيا من حيث أماكن الإيواء واللجوء وفرص العمل. ووجدوا في أوروبا أحلاماً مغرية، وتركيا لم تمانع من العبور، ودليل ذلك على أن ليس لتركيا علاقة بآلاف القوارب التي تنطلق من شمال إفريقيا باتجاه أوروبا قاصدة اللجوء.

وماذا نقول في دولة مثل تركيا التي استغرقت خمس سنوات من عمر الثورة السورية كي تطلب مساعدة أوروبا لها في إيواء اللاجئين مقارنة بدول اللجوء العربية الأخرى المحيطة بسورية، والتي بدأت بالتسوّل والاستغاثة منذ اليوم الأول لمأساة اللاجئين السوريين!

فهل يجرؤ أصحاب الاتجاهات العلمانية والليبرالية على إسقاط ذات النقد والهجوم على هذه الدول؟ أقولها بصراحة إن تجربة الإيواء في تركيا مقارنة ً بدول الشقيق العربي تبدو وكأنها فندق خمس نجوم. ما يغفل عنه كثير من المتحاملين الذين سلطوا الأضواء على قصة المقارنات الساذجة بين اللجوءين التركي والأوروبي، أن تركيا اشترطت إعادة مناقشة انضمامها للاتحاد الأوروبي !!

وقد يتساءل البعض عن قيمة هذا الإنجاز.

والجواب أن أوروبا كانت قد أغلقت هذا الملف بعد أن استعصى عليها اقناع أنقرة بالتكيّف مع شروطها، وكون أوروبا تعيد فتح هذا الملف مجدداً دون شروط على أنقرة، يعني ضمنياً أن هناك قبولا مبدئيا يتجاوز ضغوط وإشكاليات المفاوضات السابقة. وإذا ما نجحت أنقرة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن تركيا تكون قد نالت بجدارة استحقاق وسام بوابتيّ الشرق والغرب معاً لتصبح لاعباً قوياً يفرض نفسه بينهما ولتعمل على فرض رؤيتها لما فيه مصلحة المواطن التركي الذي لم يعرف النمو الاقتصادي ونجاحات التنمية والاستقرار الأمني والسياسي والحصول على حقوقه إلا في ظل الحكومة ذات الاتجاه الإسلامي التي يمثلها حزب العدالة والتنمية.

جمع من العلمانيين والليبراليين الذين أعمتهم الأحقاد عن رؤية هذه النجاحات التي أنجزها إسلاميون في بلد كبير مثل تركيا، هم ذاتهم من يطبل لأوروبا استقبالها لأقل من مليون لاجيء بعد خمس سنوات من التنكيل والتعذيب والتشريد والموت الجماعي الذي يواجهه أهلنا في سورية، في حين عميت أبصارهم عن رؤية السوريين في مدارس وجامعات ومستشفيات ومراكز الإيواء التركية دون أن تتقاضى أي مقابل لقاء استقبالهم لأهلنا السوريين…

وتبقى الحقيقة التي تغلف عقول وقلوب بني علمان أن «عين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا».

وكأن أحمد شوقي يشير إليهم في حكمته الموجزة: «المتحيّز لا يميّز».

محمد العوضي

@mhawadi

أضف تعليقك

تعليقات  0