اقتصاد المعرفة ... خذ سوني كمثال : بقلم - فهد عامر الاحمدي

من الملاحظ أن النهضة الصناعية (في الدول المتقدمة) نشأت بمبادرات شخصية.. وفي المقابل اقتصرت التجربة السعودية في معظمها على الجهود الحكومية، كتأسيس أرامكو وسابك وشركة الاتصالات..

خذ اليابان كمثال للمبادرات الفردية ولاحظ أن تويوتا، وهوندا، وسوزوكي، وياماها، أسماء لأفراد بدؤوا من الصفر وتحولت أسماؤهم لماركات صناعية عظيمه لها شهرتها وسمعتها فى الأسواق. وفي ظل انتفاء الثروات الطبيعية كان الابداع والابتكار وسيلة اليابانيين لتطوير منتجاتهم وتحويل "التراب الى ذهب"..

فشركة سوني مثلا أسسها السيد أكيتو موريتا بعد ان استقال من مهنته كمدرس للالكترونيات وبدأ أعماله الخاصة بخمسمئة دولار فقط.. واهتمت الشركة في بدايتها بصنع أجهزة الطبخ والمسجلات ولكنها لم تلق نجاحا يذكر.. وبعد سلسلة من الابتكارات الفذة توسعت أعمال سوني حتى حدثت النقلة العظيمة عام 1952 حين ابتكرت معامل بل الاميركية "الترانزستور"..

إلا أن شركة "بل" لم تفلح في تطويره والاستفادة من إمكاناته فاشترى السيد موريتا حقوق تصنيعه بثمن بخس..

واستطاع موريتا ومجموعة من مهندسيه الأفذاذ الوصول بالترانزستور لآفاق جديدة وانتاج مجموعة من الأجهزة الأصغر حجما والأخف وزنا والأقل ثمنا (أصبحت حينها موضة تفوق ظهور الآيفون والآيباد)..

واليوم اصبحت سوني إخطبوطا صناعيا يمد أذرعته في معظم دول العالم وتوجد منتجاته في كل البيوت. وهي (ككل الشركات اليابانية) تستورد المواد الخام بسعر بخس وتحوله بفضل المعرفة لأجهزة متقدمة تُصدر 75% منها للخارج..

ونسبة التصدير العالية هذه تميز معظم الشركات اليابانية ما يعني ان المنتجات (التي استوردتها كحديد ومواد خام في البداية) تعود الى اليابان أموالا "تصب من أفواه القرب" بفضل المعرفة والخبرة التصنيعية فقط! وهذه التجربة تشرح قوة المعرفة وإمكانية تحولها إلى مورد اقتصادي يفوق أي مورد طبيعي..

فاليابان وتايوان وهونج كونج وكوريا الجنوبية لا تملك ثروات طبيعية ولم تجد أمامها غير نقل الخبرات الصناعية والاعتماد على ما يعرف باقتصاد المعرفة.. وفي المقابل يتسبب الجهل المعرفي (ناهيك عن القلاقل والفساد وسوء الإدارة) في تراجع دول تملك ثروات طبيعية هائلة كإيران ونيجيريا والكونغو وأفغانستان..

والحقيقة هي أن الثروة المعرفية تتميز عن الثروة الطبيعية بميزات نوعية تجعلها (لا تنفد) و(لا تقِل) و(لا تُحتكر)، ناهيك عن ربحيتها التي تفوق بأشواط الثروات الطبيعية.. ومن كل هذا نفهم أن تمتعنا بموارد نفطية كبيرة لا يمنع اهتمامنا أيضا باقتصادات المعرفة والتحول الى مجتمع صناعي قادر على التصدير..

ولا يعني عدم تشجيع المبادرات الفردية وإتاحة الفرصة أمام المشروعات الصناعية الصغيرة وتشجيعها للوصول بها لمستوى تويوتا، وهوندا، وسوزوكي، وياماها.. ..

لنفعل ذلك قبل أن يأتي يوم لا نجد نفطا نبيعه، ولا سلعة نجيد تصنيعها أو يشتريها منا أحد.. فهد عامر الاحمدي

أضف تعليقك

تعليقات  0