ماذا لو خصصنا نصف اليوم الدراسي للقراءة الحرة ؟

 لنتفق أولاً على أن الكتب التي تؤلف كل عام تفوق بأضعاف كثيرة المناهج الموجودة في مدارس العالم أجمع..

لا وجه للمقارنة مثلا بين عشرين منهجا يدرسها طلاب أي دولة، وأربعمئة ألف كتاب تصدر سنويا (باللغة الانجليزية فقط).. لا وجه للمقارنة بين ما يوجد في مكتباتنا المدرسية (هذا إن افترضنا وجودها أصلا)، وبين 90 مليون كتاب موجودة في مكتبة الكونغرس وأكسفورد وبيترسبيرج أو حتى 50 مليون كتاب نسختها جوجل بطريقة ضوئية.. حتى الآن..

لهذا السبب لا أبالغ حين أطالب بتخصيص نصف اليوم الدراسي (على الأقل) للقراءة الحرة..

لا أبالغ حين أخبركم بأن أطفالنا يعيشون داخل سجون معرفية مقولبة لا يدركون حجم الموجود خارجها! أعظم درس يمكن أن نُعلمه لطلابنا هو تعليمهم حب القراءة ذاتها..

فحين تجبرهم على قراءة مناهج جافة ومفروضة لن ينسوها فقط، بل لن يعودوا لفتحها بعد انتهاء الامتحانات ونيل الشهادة..

ولكن في المقابل حين تعلمهم حب القراءة سيستمرون في فتح الكتب والاطلاع وتعليم أنفسهم حتى وفاتهم..

حين يقعون في حب المعرفة ذاتها لن يطمعوا بشهادة جامعية أو مرتبة وظيفية، بل سيبدأون بتشكيل رصيدهم المعرفي وأفكارهم الخاصة، ثم طرحها لاحقا في كتب تساهم بدورها في مسيرة الفكر البشري..

لا يحدث ذلك حين تجبر على حفظ مناهج صارمة تستثني أو تحرم أو تتجاهل ما يوجد خارجها.. لن تتعلم شيئا جديدا حين تُفرض عليك الأفكار فرضا أو تقرأ ما يوافق أفكار معلميك فقط..

لن تتفوق على نفسك وعلى مجتمعك إن اكتفيت بقراءة ما قرأه جيرانك وأقرباؤك وآباؤك قبلك.. لن تتفوق على العالم أجمع إن لم تطلع على آخر مستجداته وتضيف إلى آخر إبداعاته (ولا يغرنك وجود حفنة من المفكرين في مجتمعنا المحلي كونهم من الفئة القليلة التي تجاوزت مناهج التعليم واكتشفت نعمة القراءة الحرة)..

لا تخافوا على أبنائنا من الانحراف والانفتاح والاطلاع على ثقافات الآخرين.. فعقولنا مثل أجسادنا تملك جهاز مناعة ذاتيا يرفض ما يضرها ويكتسب خبرة في مواجهتها..

خافوا عليهم من الانغلاق والغفلة والجهل بطريقة سير العالم، ثم الانبهار لاحقا كيف هرب العالم بعيدا حين يفوت وقت تعليمهم أشياء جديدة.. ولأن طلابنا مهما بلغ حرصهم وذكاؤهم عاجزون عن اللحاق بفيضان الكتب الجديدة، لا نملك خيارا غير منحهم حرية قراءة ما يحبون ويرغبون ويتفوقون فيه..

مجرد وضع قيود وشروط على ما يجب ولا يجب قراءته يعود بنا لفكرة (المنهج الصارم والفكر المقولب)، والجهل بما يدور خارجه من أفكار وآراء وإرهاصات جديدة.. ما أطالب فيه (بكل اختصار) هو أن تخصص وزارة التعليم النسبة الأكبر من "اليوم الدراسي" للقراءة الحرة دون فرض شيء على الطلاب..

أن تزود المدارس بمكتبات أكبر، وشبكة بحث أفضل، وتخصص لذلك النسبة الأكبر من ميزانيتها، بل وتفتح باب التبرعات لهذا الغرض..

ولا أبالغ حين أطالب بتخصيص نصف اليوم الدراسي لهذا الغرض. فهد عامر الاحمدي

أضف تعليقك

تعليقات  0