المأزق والتناقضات في الحرب على الإرهاب


تجمع الدول العربية على محاربة الإرهاب، لكنها تفعل ذلك وفي ذهنها قضايا مختلفة وليست قضية واحدة، فهي لا تتفق على تعريف الإرهاب، ولا هي في جلها تتبع التوجه نفسه، كما أن بعضها قد لا يتفق مع العلاج أو الحل الذي تطرحه دول أخرى.

وعند إضافة دول إسلامية مثل باكستان إلى التحالف ضد الإرهاب، نجد أن الأمر يزداد تعقيداً.

لهذا تختلط الأمور على المتابع كما على المتأثر بالسياسات العربية.

وبالفعل فمنذ مدة، تم تصنيف «الإخوان المسلمين» بصفتهم منظمة إرهابية من جانب أكثر من جهة ونظام سياسي، وحتى اللحظة لا يزال التصنيف عاجزاً عن مواكبة الحقيقة والظروف والوقائع السياسية من اليمن إلى القاهرة.

وبينما يمكن الإسهاب في تصنيف الإرهاب، لكن العالم سيّر شؤونه عبر التاريخ من دون حاجة إلى هذا التصنيف، فقد خيضت عشرات الحروب من دون الحاجة إلى التصنيف الذي جاءنا من إرهاب الدولة الفرنسية في زمن الثوريين اليعاقبة في 1793-1794.

كلمة الإرهاب بالانكليزية هي في الأساس كلمة فرنسية تعود إلى إرهاب الدولة. لكن التصنيفات الغربية والإسرائيلية بعد الحرب العالمية الثانية بالتحديد استخدمت الكلمة وفق مصالحها، وقد صنفت الكثير من حركات التحرر كالجزائرية والايرلندية والفلسطينية وغيرها كحركات إرهابية.

وتبرز مسألة التعريف في فهمنا للإرهاب، إذ لا يوجد تعريف جامع شامل.

أليست ممارسات التعذيب في السجون وانتهاكات حقوق الإنسان والاغتيال والتصفيات والتهجير الجماعي والتطهير العرقي التي تقوم بها أنظمة كالنظام السوري على سببيل المثل وليس الحصر جزءاً من تعريف الإرهاب بصورته الرسمية؟

أي مصداقية يكتسبها النظام الإقليمي أو العالمي إذا لم يُدخل دولاً ذات سيادة تمارس أعمالاً شبيهة في التعريف ذاته؟ إذ لا يعقل أن يكون تعريف الإرهاب يشمل فقط جهات غير رسمية وغير حكومية،

بينما الواقع يقول أن الجهات الرسمية مسؤولة ايضاً عن نسب مختلفة من الإرهاب، كما أن بعضها يرعى ذلك. وفي حال عدم إدخال الرسمي ضمن الإرهاب (إرهاب الدولة وفق منشأ المصطلح)،

فلن تتقبل الناس في المجتمعات تعريفنا، وهذا سيعني تسمية تيار أو حزب منظمة إرهابية بينما نعجز عن تسمية دولة كسورية أو إسرائيل أو غيرها. يجب تعريف الإرهاب بصفته عنفاً مقصوداً موجهاً ضد الأبرياء والمواطنين والممتلكات، سواء صدر ذلك عن جهات رسمية أم غير رسمية.

في العامين الأخيرين، تم تصنيف تنظيم «داعش» كتنظيم إرهابي، وهو وفق تعريف من التعريفات تنظيم إرهابي، لكن الحقائق تؤكد أن «داعش» ليس كتنظيم «القاعدة»، بل هو في جانب آخر لا يقل أهمية كونه الآن «دولة» تحاول تغيير الخرائط وتمتلك أدوات وتمارس العنف والإرهاب من منطلق دولة.

«داعش» إطار رسمي يمارس الإرهاب في الاقليم وفي العالم. لكن ماذا عن الأطر الرسمية الأخرى؟ مواجهة الإرهاب جزء من الدفاع عن الذات وفي حالات كثيرة دفاع عن الأبرياء، لكن في حالات أخرى يصاحبها ظلم لأبرياء وذلك بسبب انتمائهم إلى قبائل أو فئات أو طوائف ومناطق وأقاليم ينتمي من يمارس العنف اليها،

وفي حالات أكثر تتحول الحرب على الإرهاب إلى مواجهة مع المعارضات السلمية التي لم ترفع السلاح في وجه الدولة. في هذا تتحول الحروب على الإرهاب إلى وصفة لإرهاب الدولة وفرز جماعات جديدة لم تكن جزءاً من دائرة العنف.

ومن الضروري أن نتساءل عن الفائدة الاقتصادية للكثير من القرارات المضادة للإرهاب في إقليمنا، فبأسرع من البرق يصبح بلد من البلدان خاضعاً للعقوبات ولدرجات من المقاطعة كما يقع الآن مع لبنان.

هكذا، وبعد ان استثمر قطاع كبير من العرب لسنوات طوال في مشاريعه، يصبح الأمر صعباً.

وقد تكون تلك سياسة ناجحة في إضعاف تيار مضاد أو حزب يمارس عنفاً، لكنها قد تكون من جهة أخرى مضرة لمعادلات لا تقل أهمية. يبقى السؤال: هل هناك تقييم مدروس لأثر القرارات على الإنسان والمواطن والشباب، كما على التاجر وصاحب العمل وعلى المستثمر وعلى المستقبل كما الحاضر؟

في بلادنا العربية، بإمكان الصراع السياسي أن يتحول إلى صراع أمني، والصراع الأمني يمكن ان يتحول إلى صراع بين دول وهذا بدوره سيشمل الناس والمجتمعات وسيؤدي مع الوقت إلى الحد من التجارة والتنقل والعمل لكل المواطنين.

وهذا يعني عملياً صعوبة البناء بل والاستثمار والعمل والإنتاج وحتى التملك في إقليم يتحول إلى مكان محظور السفر منه واليه. ربما في المرحلة الأخيرة هناك نموذج إيجابي، ففي غمرة الصراع الكبير بين ايران وتركيا، قام البلدان بتطوير التجارة والأعمال بينهما.

يصح القول أن المجتمعات التي تمتلك قاعدة اجتماعية انتخابية ثم قاعدة أكبر لدافعي الضرائب كتركيا والغرب ستسعى قدر ما تستطيع إلى حصر الأضرار الاقتصادية للقرارات ذات الثمن المؤثر في المواطنين، لكن هذا العامل غير متوافر في البيئة العربية، باعتبار أنها غير مضطرة لحساب أضرار الاقتصاد على المواطنين.

فالاقتصاد بالأساس مملوك للدولة، وهي قلما تتأثر. لا يبدو أن التشدد سينتهي في إقليمنا، فمع كل موقف من الإرهاب بدءاً من 11 سبتمبر إلى يومنا هذا برزت جماعات أكثر عنفاً، وهذا دليل على أن السياسات المتبعة كانت قاصرة وخاطئة وغير مدروسة وتعالج الظاهرة وليس مسبباتها.

وهذا يعني في الوقت نفسه أن البيئة العربية تنتج العنف، وأن الجماعات العنيفة ليست إلا تعبيراً عن بيئة تعاني الاختناق. فما أن تمت تصفية زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن حتى برز «داعش» بقيادة البغدادي،

وباللغة نفسها تم الإعلان عن «حزب الله» كفصيل إرهابي وقد يتم إضعافه بنجاح، لكن لو وقع هذا ستبرز بدائل أكثر تشدداً وأكثر عنفاً. نحن في بيئة تستخدم الحلول الأمنية بإفراط، لكنها تعجز عن تأمين حلول لمشكلاتها،

فالقوى التي نضعفها اليوم يتحول ضعفها بعد غد إلى وقود لانفجار آخر. تهميش السنّة في هذه البقعة أو تلك من سورية أبرز لنا قوى أكثر قوة وتطرفاً. لهذا يمثل التفاوض الحاصل في السعودية مع الحوثيين بهدف حل الأزمة اليمنية بارقة إيجابية (ضمن أوضاع تتميز بالقساوة)، وربما يمكن بصعوبة البناء على هذا التفاوض في مواقع ومناطق أخرى.

ولكن في الوقت نفسه ما زال اليمن يحمل كغيره آفاق بروز قوى مختلفة وعلى الأغلب أكثر عنفاً وراديكالية. الأخطر في قضية الإرهاب هو انتشار حالة الكراهية الناتجة من استهداف غربيين أبرياء.

لقد خرجت إلى العلن كل تعبيرات العنصرية الموجودة في الغرب، لكن الغرب الذي يعيش اليوم عصراً من عصور الانتقال نحو اليمين قلما يعي أن الإرهاب الذي يصل إلى أراضيه مرتبط بكوارث يتحمل هو جانباً من المسؤولية عنها. لقد دعم الغرب حقوق الإنسان في كل بقاع العالم،

لكنه تراخى في العالم العربي، كما وقف مع حق تقرير المصير في كل بقاع الأرض لكنه فشل أمام القضية الفلسطينية بسبب إسرائيل.

كارثة ولعنة التوسع الإسرائيلي في الشرق الأوسط في ظل وجود مصالح مالية غربية في الشرق، يشوبهما الكثير من التناقضات وهما اللتان تعودان بصورة عنف وإرهاب ذي طابع عبثي للغرب نفسه.

في آخر السلّم من اهتمامات الغرب في منطقة الشرق الأوسط، كانت الديموقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والبطالة. الغرب فشل في سورية عندما ترك المذابح والفتك تستمر عاماً بعد عام. لكن فشل الغرب في سورية سمح لنا نحن العرب بإعادة اكتشاف تلك العلاقة الملتبسة بين الغرب والشرق وبين إسرائيل والغرب،

كما سبق واكتشفنا تلك العلاقة الملتبسة بين النظام العربي والديموقراطية والحريات والعدالة.

إن تداخل المشكلة الأولى بالثانية والثالثة هو الذي يصنع حالة العنف العربية الراهنة. نحن في منطقة ينافس فيها العنف الذي تمارسه الجماعات كما تمارسه بصورة أكبر الأنظمة ضد منطق التغيير السلمي، فمنطق التغيير السلمي لا يزال محارباً من جانب النظام العربي.

في الوقت نفسه، تتبنى القوى الدولية التصور الإسرائيلي في تقسيم البلدان العربية كسورية والعراق وغيرهما وذلك بهدف إحباط منطق التغيير وقيمه.

لا يزال الاقليم يشهد منافسة صعبة بين أكثر من منطق وأكثر من مدرسة. فما يبدو انه حلّ في اليمن قد نجده أكثر تعقيداً بفعل عوامل غير مرئية وقوى وتحالفات لم تتشكل بعد،

وما يبدو أنه بداية تفاوض في سورية سنجده يتطور إلى اشتباك من نوع آخر واستمرار للمأزق في مجالات لم تكن واضحة حتى الأمس القريب، وما ينطبق على العراق ينطبق على لبنان ومصر وليبيا وغيرها.

المقصود هنا أن الأوضاع اكثر تعقيداً مما تبدو، وأن محاولات علاجها بالأدوات الكلاسيكية والتقليدية أو بالحسم السريع سيكون ثمنها أكبر من عوائدها.

لا بد من خيال جديد ومناخ مختلف في إقليم يعيش أصعب تحول عرفه في تاريخه الحديث. لا حل لنا من دون تغيير البيئة التي تنتج العنف بسبب ضعف العدل والحقوق والحريات والمساءلة، وبسبب انتشار الفساد والبطالة والفوارق الاقتصادية.

أضف تعليقك

تعليقات  0