أمية العصر الجديد ..

 نشأ والدي يتيماً تعلم القراءة والكتابة بمجهوده الفردي.. مايزال فخوراً بذلك ويعتبر تغلبه على الأمية من أهم إنجازاته الشخصية.. غير أن الدنيا تغيرت كثيراً منذ نجاحه في فعل ذلك قبل ستين عاماً.

ففي الماضي كانت الأمية قسرية وتتعلق بالعجز عن الكتابة والقراءة فقط.. أما اليوم فالقراءة والكتابة تكاد تولد مع الإنسان في حين أصبح التعامل مع تدفق المعرفة هي أمية هذا العصر..

لم يعد الجهل مشكلة قسرية منذ اخترع غوتنبرج المطبعة واخترع تيم لي الإنترنت (التي قدمت إلينا معارف العالم بضغطة زر).

انعكس الوضع وأصبحت مشكلتنا الأساسية بعد أن كانت تتعلق بشح المعرفة واحتكارها تتمثل في تراكم المعرفة وسرعة انتشارها.. أصبحت الأمية الحديثة هي كيف تستوعب وتميز وتقرر من بين كل هذا الركام المعرفي والتدفق المعلوماتي..

لم يعد أمام أبنائنا سوى الاختيار بين متابعة ما يمكنهم متابعته، أو ببساطة تجاهل كل مايحدث والعيش في نعيم الاكتفاء والعزلة المعرفية.. فحتى جيل مضى كان معظم الناس أميين مقتنعين بمعارفهم المحدودة والبسيطة؛ أما اليوم فكثرة المعلومات وتعدد الآراء جعلت الإنسان مشوشاً في نواح عديدة. انظر كم رأي تحتويه الانترنت للعلماء والأطباء والمفكرين ورجال الدين..

وابحث إن أردت عن مقال بعنوان "هل ساهم كل هذا في تبسيط الدين أم تعقيده؟" ... في عصر ماقبل الطباعة كانت المادة المكتوبة عزيزة وثقيلة (تكتب على الصخور أو تنقش على الرخام) مما تسبب في شح وضياع معظم الإبداع البشرى..

ولكن ما أن طبع يوهان غوتنبرج أول كتاب شعبي (في القرن الخامس عشر) حتى بدأت المعرفة تنزل من عليائها وأصبحت بسعر الورق الذي تطبع عليه. في كل عام يطبع من الكتب مايفوق سكان الأرض، ومن الورق ما يُغطي المحيطات واليابسة..

ولو افترضنا ان احدنا عاش لمئة عام وقرأ في كل يوم كتاباً كاملاً فلن يُنهي أكثر من 36 ألف كتاب حتى لو عاش حياته بلا عمل أو نوم! التطور المذهل التالي (والذي أعتبره ثاني أعظم وسيلة لنشر المعرفة) هي ظهور شبكة الإنترنت..

فالإنترنت معين لا ينضب وبئر ليس له قرار ولا يمكن مقارنتها بأي مكتبة ورقية.. وإن كان شخص مثلي يفخر بأن لديه ألفي كتاب فإن موقعاً واحداً على الإنترنت (مكتبة الكونغرس مثلاً) يوفر25 مليون كتاب وأعظم سبعة مواقع 100 مليون كتاب، أصبح البحث فيها إلكترونياً أسهل من البحث يدوياً في الألفين "إياها"!!

هذا الطوفان المتدفق من المعرفة جعل المتابع هذه الأيام يلجأ لآلية دفاعية بسيطة وعفوية.. فبدلاً من "وجع الدماغ" ومتابعة كل ما يستجد يحيط نفسه بشرنقة ثقافية ومواقع إلكترونية ومعلومات محدودة يرتاح للبقاء داخلها..

كأن غريزة البقاء وشرنقة الثقافة تخبره بأن كثرة المعلومات تهز مبادئه وتخل بأفكاره وتلوث ما ورثه من آبائه وأجداده؛ فأصبح يكتفي من الإنترنت بجانبها الممتع والساذج، في حين تم هجر الكتاب المطبوع تماماً..

أيها السادة؛ قد تكون الإنترنت (ورئيس مجلس إدارتها الشيخ غوغل) قد أحضرا لبيوتنا أكواماً هائلة من المعرفة؛ إلا أن معظمنا يواجهها بالتجاهل أو التشكيك أو انتقاء الممتع والسطحي فقط..

وهذه هي المرة الأولى في التاريخ التي ينعكس فيها الوضع وتصبح المعرفة سلعة مجانية، والأمية خيارات شخصية.

فهد عامر الاحمدي

أضف تعليقك

تعليقات  0