ثقافة الكياسة السياسية : بقلم - فوزية أبل

ما نشهده في هذه الأيام هو أن العديد من القوى تسارع إلى إسقاط أخطائها على الآخرين، ومن دون أن تقتنع بضرورة تصحيح مسارها هي بالذات،

حتى ان بعض القوى تستخدم تعابير نقدية في تقييمها للآخرين، من النوع الذي ينطبق عليها بالذات، لكن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي ولمحطات التلفزة وغيرها، يتيح لها أن تقلب الموازين والمقاييس في ذهن المتلقي، لكن يغيب عن ذهنها أن هذا النوع من التضليل سيعود وينقلب عليها، عاجلا أو آجلا.

هذا ينطبق على نهج بعض المعنيين بالانتخابات الرئاسية الأميركية، بدءا من المراحل التمهيدية المتمثلة في اختيار ممثل لكل من الحزبين الجمهوري والديموقراطي، كي يخوض السباق في مرحلته الأخيرة في نوفمبر.


ويكاد قادة كل من الحزبين يخرج عن مستلزمات الصواب السياسي، فداخل الحزب الديموقراطي كان لافتا أن وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون تحاول الرد على منافسيها الحاليين في معركة الرئاسة، مستخدمة تعابير كانت تستخدم ضدها بالذات،


وهي تعارض انتقاد منافسها الرئيسي ساندرز، الذي لديه خطاب نقدي يتناول مجمل نهج الرؤساء الديموقراطيين والجمهوريين على السواء، وكلاهما يستخدم وسائل نقدية تصل إلى حدّ التجريح.

أما في الحزب الجمهوري، فإن طروحات الملياردير دونالد ترامب أقامت عليه الدنيا ولم تقعدها، وإذا به يرد على الآخرين بعبارات نابية ومستهجنة، تعود وتنقلب عليه خلال المناظرات، مما يجعله بمنزلة ظاهرة استفزازية،

تفتقر ليس فقط إلى الكياسة السياسية واحترام الآخر، بل أيضا إلى الحدّ الأدنى من مقومات منصب رئاسة الجمهورية في دولة كبرى مثل الولايات المتحدة.


وفي العديد من الدول، فإن السجالات التلفزيونية والإلكترونية تكشف طبيعة بعض السياسيين، وبعض القوى والتيارات الفاعلة، وكيف أنها لا تلتزم بالحدّ الأدنى من الصواب السياسي، ومن فن مخاطبة الآخرين، واحترام خصوصيتهم ومن يمثلون، شعبيا أو سياسيا.


وهناك من يغيب عن أذهانهم أن المتلقي أصبح قادرا على المتابعة والتدقيق والتقييم، ولن ينساق وراء شعارات رنانة (باستثناء أقلية من الجمهور غير الواعي)، كما أنه لن يحترم الخطاب السياسي الذي «يحترف» التمييز بين فئة وأخرى، أو بين رجل وامرأة، أو بين أبناء هذه المنطقة أو تلك.

والمسؤولية تقع أيضا على الحكومة، التي لا بد أن تكون سبّاقة في مجالات التصحيح السياسي، أو تجديد المفاهيم المتداولة، من دون الوقوع في الأخطاء التي يقع فيها آخرون، وأن تعي المفهوم الصحيح للنقد الذاتي، وعدم إسقاط المسؤولية على آخرين.


ومن البديهي القول ان تقويم المجرى السياسي والتصحيح الفعلي يتطلبان إتقان ثقافة الكياسة السياسية، ومصارحة الرأي العام، واحترام قدرته على المتابعة والمراقبة، وعدم الخروج عن المنطق، وعدم اعتبار النقد الذاتي هزيمة أو عامل ضعف..


وأن التنافس على كشف أخطاء الآخرين لا يضع الأسس الصحيحة للتوافق، ولرسم صورة العمل السياسي المستقبلي.

فوزية أبل

أضف تعليقك

تعليقات  0