أكثر عشرة أخطاء يرتكبها الوزراء

لا شك أن وزراءنا أصبحوا تحت المجهر أكثر من أي وقت مضى.. أصبحوا مكشوفين للناس بفضل قنوات التواصل الاجتماعي، ويخضعون لمحاسبة دقـيقـة في عهد الملك سلمان (وترتفع نسبة الانكشاف على وجــه الخصوص في الوزارات الخدمية كوزارة الصحة والتعـليم والإسكان)..

ورغم اختلاف المواهب وتنوع المسؤوليات أعتقد أن هناك أخطاء مشتركة يمكن أن يقع فيها أي وزير.. أخطاء يمكن أن تؤثر على وزارته، وتتسبب في إقـالـته، وتؤخـر مكاسب الوطن سنوات جديدة..

ومن خلال ملاحظاتي المتواضعة أرى أن أهم هذه الأخطاء هـي: ـــ

- الخطأ الأول (الانعزال): فالوزير يجلس فوق هرم إداري ويحيط به عدد كبير من الوكلاء والمسؤولين والموظفين البيروقراطيين.. وهذا بحد ذاته (نطـاق عزلة) يحجبه عن رؤية قاعدة الهرم وتلمس احتياجات المواطنين بشكل مباشر.. لهذا السبب أتمنى من وزرائنا الجدد كسر هذا الطوق ــ على الأقل بين الحين والآخر ــ من خلال الجولات الميدانية والنزول إلى الشارع وتخصيص إيميلات وأرقام تتيح للناس التواصل معهم بشكل مباشر.. ــ

- الخطأ الثاني (تجاهل الهم الشخصي للمواطن): مهام الوزير ضخمة ومعقدة، ولكن متطلبات المواطن بسيطة وواضحة.. الوزير يفكر في شأن وطني عـام، والمواطن يتحدث في شأن خاص قـد لا يتجاوز فاتورة مياه أو نقل مريض إلى تخصصي الرياض أو جدة.. لا يجب أن ينسى وزراؤنا هذه الحقيقة مهما بدت متواضعة مقارنة بمهامه الأخرى.. خدمة الناس هي الهدف الذي أنشئت من أجله الوزارة، وبدون هذا الهدف سيركض معالية في الاتجاه الخاطئ.. ـــ

- الخطأ الثالث (الضياع في البيروقراطية): حين تتضخم الإجراءات الرسمية وتتعقد المهام الإدارية يركض الوزير ــ هذه المرة ــ فوق سير متحرك.. يغرق في التفاصيل وينسى الإنجازات ويـبذل جهوداً ضخمة دون نتائج ملموسة.. بعض وزاراتنا وصل فيها التضخم والترهل حداً تأخر الإجراءات الإدارية (حتى داخل مبانيها الرسمية) لأسابيع وأشهر.. الحل لا يكمن فقط في تبسيط الإجراءات (وأتمتة المعاملات) بـل وتدخل الوزير مباشرة لتفعـيل القرارات العاجلة والأولويات القصوى دون المرور بأنظمة وأروقة الوزارة.. ـــ

- الخطأ الرابع (عدم قياس الأداء): لنكن صريحين.. بعض المسؤولين لا يعرفون الفرق بين الرؤية والهدف والرسالة.. لا يملكون رؤية، ولا يحملون رسالة، ولا يملكون أهدافاً واضحة لما يجب تحقيقه.. وفي حين أصبحت الدولة تملك آلية لقياس أداء الوزراء لا يملك معظم الوزراء آلية لقياس أداء وزاراتهم أو الموظفين المحيطين بهم.. يجب أن تكون هناك أهداف واضحة وخطط معلنة يمكن قياسها والمحاسبة عليها.. فـما لا يتم قياسه يجنح بطبيعته للـثبات والـتراجع..

- الخطأ الخامس (الانشغال بالميزانية): الوزير الناجح يمكنه تحقيق الكثير بأي ميزانية ترصد لوزارته.. يمكنه ابتكار حلول إبداعية وأساليب أقل كلفة لمواجهة أي عجز مالي.. ليس صحيحاً أن الحلول الممتازة تتطلب ميزانيات ضخمة، وليس صحيحاً أن الميزانيات الضخمة تنتهي دائماً بنتائج ممتازة.. التفكير خارج الصندوق، والخروج عن المسار التقليدي، وفـتح الأبواب للحلول البديلة، أساليب كفيلة بتحقيق نتائج عظيمة بموارد قليلة.. لا أطالب وزراءنا بالبخل والتقـشف بـل ــ على العكس ــ تحقيق أكبر قدر من النتائج دون إعادة أي فـائض.. ...

- أمـا الخطأ السادس الذي قـد يقع فيه أي وزير فهـو (الغموض وعدم الشفافية): فـقـبل أن تـتهم بالانعـزال أو البيروقراطية استبق كل هذا بتبني مبدأ الشفافية ونشر الحقائق من خلال متحدث رسمي وموقع إلكتروني.. فالشفافية ليست فقط دليل نزاهة، بـل وأداة فعالة لتطهير بيئة العمل وضمان سيرها في الاتجاه الصحيح.. فما يحدث في الخفاء يجنح للفساد، ومن يجنح للفساد سيحاول إقـناعك بغير ذلك (وفي عصر الانكشاف الفضائي بالذات كن مستعداً للاعتذار في أي لحظة عـما يحدث داخل وزارتك)... ـــ

- الخطأ السابع (محاولة البدء من الصفر): بعض وزاراتـنا تبدأ من الصفر مع كل وزير جديد.. لا نملك ثقافة مؤسسات وبالتالي تتغير الأهداف والأولويات بتغير الأشخاص والمناصب.. يخطئ الوزير الجديد حين يبدأ من الصفر ويعتقد أنه سينجز ماعجز عنه أسلافه خلال فترة ولايته.. إن لم يبدأ من حيث انتهى زميله السابق سينتهي قبل خط النهاية ويأتي "زميل لاحق" ينظف من بعده.. مالم نحرص على حماية الإنجازات الناجحة (وضمان استمرارها حتى النهاية) ستعيش وزاراتنا في تخبط دوري وقرارات بندولية يتحمل المواطن معاناتها!

ـــ الخطأ الثامن (عدم الإنصات وتجاهل المواهب): ابحـث عن المواهب لأن الأفكار الجميلة لا تأتي بالضرورة من أصحاب المناصب.. الاقتراحات الرائعة قـد تأتي من موظف صغير أو مواطن مغمور أو حتى تغريدة في تويتر.. سبق وطالبت وزاراتنا بتبني الأفكار الاستثنائية وفتح الباب لتلقي اقتراحات الناس المبتكرة.. فالمواطنون شركاء في المسؤولية والاكتفاء بمنسوبي الوزارة يعني التفكير بواحد على المليون من العقول الوطنية (ولفهم الفكرة بشكل أفضل ابحث عن مقال: مطلوب مبتكرين لهذه الوزارة)...

ـــ الخطأ التاسع (تجاهـل الخصخصة): منافع الخصخصة لا تغيب عن وزرائنا ومسؤولينا.. والوزارات الخدمية على وجــه الخصوص لا يمكنها تقديم خدمات تضاهي شركة أهلية تعمل في بيئة تنافسية نزيهة.. جزء كبير من مهمة أي وزيـر يجب أن تـنصب على إشراك القطاع الأهلي وتخصيص ما يمكن تخصيصه من خدمات.. محاولة (فعـل كل شيء) لا تـتسبب فقط في فشل الوزارة، بل وتستنزف خزينة الدولة، وتخنق القطاع الخاص، وتجبر رؤوس الأموال على الاستثمار في الخارج..

ـــ الخطأ العاشر (عـدم المبادرة): وأخيراً؛ قـد ينجح الوزير في عمله، ولكن الفرق بين النجاح والتفوق يظل قائماً.. النجاح ينتهي بنتائج متوقعة وتـقـدم في الطريق الصحيح، أما التفوق فـيتجاوز النتائج المتوقعة ويضيف امتداداً للطريق الصحيح..

لن يُـلام الوزير حين يحقق المرجـو منه، ولكنه سـيحظى بتقدير الجميع حين يُـقدم أكثر من المـنتظر منه.. وأمر كهذا لا يتطلب فقط روح المبادرة والابتكار والتفكير خارج الصندوق، بـل وتهيئة بـيئة عمل سليمة وناجحة تـبـدأ بـتلافي كافة الأخطاء السابقة..

فهد عامر الاحمدي

أضف تعليقك

تعليقات  1


بدر الزيد الطريجي
مقالة سلسة وأفكار مدروسة وُفق الكاتب في كتابتها وعرضها، تصبح كمسودة مناقشة لخطة عمل الوزير في أول 100 يوم. يحتاج تجاوز هذه الأخطاء إلى فريق عمل متجانس يعمل مع الوزير بالإضافة إلى منحه الدعم والوقت للتنفيذ. ونشد على يد الكاتب، ونطمع بالمزيد. د. بدر الزيد الطريجي Www.qodwat.com