المعلم الفاهم لا يتوقف عند القواعد

 قـبل أيام كنت مع عائلتي في أحد المطاعم المفتوحة حين أشار ابني ياسر إلى رجل يجلس بعيداً وقال "بابا هذا مدرس الإنجليزي حقي" قلت "روح سلّم عليه"..

ذهب وسلّم وبقي يتحدث معه طويلاً.. قمت بدوري للسلام عليه وسألته عن مستوى ياسر (في الصف الثالث الابتدائي).. مدحه وقال "ممتاز".. سألته إن كان متفوقاً في قواعد اللغة الإنجليزية بالذات فـقال: "ليس أفضل الجميع ولكن المعـلم الفاهم لا يهـتم كثيراً بمسألة القواعد"..

ناسبني هذا القول كثيراً؛ لأن هناك فرقاً بين إجادة اللغة، وإجادة قـواعد اللغة.. فنحن مثلاً نتحدث اللغة العربية بطلاقة (لا تقارن بطالب من نيجيريا أو الهند يحاول تعلمها) ولكن معظمنا لا يفقه قواعد اللغة ذاتها (مقارنة بطالب من نيجيريا أو الهند يحاول تعلمها)..

أدركت هذه الحقيقة بفضل الطلاب الأجانب الذين يدرسون في الجامعة الإسلامية. فسكان المدينة المنورة يشهدون لهم بالتفوق في قواعد اللغة (لدرجة يبحثون عن طالب هندي أو نيجيري لمراجعة كتبهم وأبحاثهم قبل نشرها) رغم عجزهم عن الحديث بطلاقة مواطن سعودي لا يملك غير الابتدائية.. نفس الحالة لاحظتها في أميركا..

كانت اللغة الإنجليزية (وقواعدها) هي المادة الوحيدة التي يتفوق فيها الطلاب العرب على الطلاب الأميركان ــ الذين يتحدثونها بطلاقة دون فهم كبير لقواعدها المركبة..

ويكمن سـر هـذا الانفصال (بين طلاقة الحديـث، ومعرفة القواعد) إلى أننا نتعلم اللغة من خلال المحاكاة والتقليد وليس من خلال القواعد والتقـعيد.. انظر إلى الطفل الصغير هل يحتاج لتعلم قواعد اللغة العربية ليتحدث بلغة والديه قبل سن المدرسة.

ثم انظر لحالنا (نحن الكبار) بعد دخولنا المدرسة وتخرجنا في الجامعة؛ هل نجحنا في الحديث باللغة العربية الفصحى رغم السنوات الطويلة التي قضيناها في تعلم قواعد اللغة العربية في المدارس!

لهذا السبب يجب (قبل أن نفكر بتطوير مناهج اللغة العربية أو الأجنبية) أن نفكر بتطوير قدرة المعلم على الحديث مع طلابه بلغة سليمة وجميلة (ومحاكاتهم له في ذلك)..

يجـب على المدرس "الفاهـم" أن يدرك أن تعلم القواعد اللغوية أشبه بتعلم معادلات رياضية قـد تفيد المتخصص ولكنها لا تفيد عامة الناس..

وليس أدل على هذه الحقيقة من أنك تستطيع التحدث بلغة عربية سليمة من خلال محاكاة مذيع أخبار جيد، أكثر من معلم لغة عربية؛ يحرص على إعراب الجملة بشكل صحيح أكثر من نطقها بشكل صحيح..

يجب أن (تستمع جيداً) كي (تـتحدث جيداً) وأفضل طريقة لفعل ذلك هي عن طريق المحاكاة والتقليد دون التوقف كثيراً عند قواعد اللغة ذاتها..

ومن واقع تجربة أنصح كل من يرغب بتعلم لغة جديدة بمحاكاة أهلها في الشارع والتلفزيون ونشرات الأخبار أكثر من المعهد والمدرسة والجامعة ــ وعدم التوقف كثيراً عند "القواعد" إلا في حال كان متخصصاً أو يعتمد تخرجه في الجامعة عليها!! أدركت أنه معلم (فاهـم) لمجرد قوله "المعلم الفاهم لا يتوقف كثيراً عند قواعد اللغة"..

فـمن صفات المبدعـين أنهم لا يتوقفون طويلاً عند القواعد الموجودة في أي مجال أو تخصص.. فهم ببساطة يـؤمنون بأنها وضعت لـتكسر..

وتُكسر كي يجد النقاد شيئاً يـتحدثون حوله! فرق بين التفوق من خلال إتقان القواعد، وبين الإبداع من خلال كسر القواعد...

أضف تعليقك

تعليقات  0