مجلس التعاون الخليجي يحتفل غداً بالذكرى الـ35 لإنشائه


تحل غدا الذكرى ال 35 لإنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية لتكلل مسيرة طويلة ومميزة من الانجازات في مختلف المجالات التي تخدم المواطن الخليجي وتحقق تطلعاته.

وجاء قيام هذا التكتل الخليجي المنفرد في خصوصيته الذي يضم تحت جناحيه ست دول شقيقة ترتبط فيما بينها برباط الدين واللغة والعادات والتقاليد ووحدة الأهداف والمصير المشترك ليصبح اليوم نموذجا فريدا يحتذى في العلاقات الدولية والتكتلات الإقليمية.

ففي ال25 من مايو عام 1981 اتفقت إرادة أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون الست في اجتماعهم الذي عقد في العاصمة الإماراتية أبو ظبي على صيغة توافقية للتعاون بينهم والتي كان من أهم أهدافها تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين شعوب دول المجلس في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها.

ووفق ما نص عليه النظام الأساسي للمجلس في مادته الرابعة فإنه تم ايضا تأكيد تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون بين مواطني دول المجلس. وجاءت المنطلقات واضحة في ديباجة النظام الأساسي التي شددت على ما يربط بين الدول الست من علاقات خاصة وسمات مشتركة وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية والإيمان بالمصير المشترك ووحدة الهدف وان التعاون فيما بينها إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية والنظام الأساسي للمجلس.

وانطلاقا من هذه الأهداف النبيلة استطاعت دول المجلس تحقيق العديد من الانجازات خلال مسيرتها الطويلة في الكثير من مجالات التعاون المشترك.

ففي مجال السياسة الخارجية أسهم التجانس بين دول مجلس التعاون في تبني مواقف موحدة تجاه القضايا السياسية ترتكز على مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة كل دولة على أراضيها ومواردها واعتماد مبدأ الحوار السلمي وسيلة لفض المنازعات الأمر الذي أعطى المجلس قدرا كبيرا من المصداقية كمنظمة دولية فاعلة في هذه المنطقة الحيوية للعالم بأسره.

ولعل من ابرز انجازات المجلس في مجال السياسة الخارجية المشاركة في إنهاء الحرب العراقية الإيرانية وتحرير دولة الكويت ودعم وحدة واستقرار وسيادة العراق ومساندة قضية الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة ودعم القضية الفلسطينية ووحدة واستقرار اليمن إلى جانب الاهتمام بالوضع في لبنان والأزمة السورية والشأن الصومالي ودعم الشعب الليبي وتطلعاته وإدانة اضطهاد الأقليات المسلمة في ميانمار.

وفي مجال العمل العسكري المشترك فقد كان الاجتماع الأول لرؤساء أركان القوات المسلحة بدول مجلس التعاون الذي عقد في العاصمة السعودية الرياض عام 1981 بداية لبحث مجالات التعاون العسكري بين دول المجلس حيث تم خلال ثلاثة عقود إقرار العديد من الدراسات والأنظمة والاستراتيجيات التي شملت الكثير من سبل العمل العسكري المشترك. وتمت في نوفمبر عام 1982 خلال الدورة الثالثة للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الموافقة على إنشاء قوة درع الجزيرة بحجم خمسة ألاف رجل من دول المجلس وفي ديسمبر 2005 جرى توسيع حجم القوة ونوعية تسليحها لتشمل فرقة مشاة آلية بكامل عتادها ومدفعيتها وعناصر الدعم القتالي.

ويعد إقرار دول مجلس التعاون لاتفاقية الدفاع الخليجي المشترك خلال قمة المنامة في ديسمبر عام 2000 خطوة استراتيجية في مسيرة التعاون العسكري الخليجي اذ مهدت هذه الاتفاقية لظهور هياكل التعاون العسكري الكبرى كوضع الرؤية الدفاعية الموحدة والقيادة العسكرية الموحدة والدرع الصاروخي الخليجي وردم الفجوة القائمة على مستوى القدرات بين دول المجلس بإنشاء قوة مشتركة خليجية للتدخل السريع.

وعلى صعيد التعاون الأمني فقد شكل اجتماع وزراء الداخلية بدول المجلس بالرياض في فبراير 1982 بداية انطلاق التنسيق والتعاون الأمني بين دول المجلس والذي تمثل في الاستراتيجية الأمنية الشاملة والاتفاقية الأمنية والتعاون في مجالات مكافحة الإرهاب والدفاع المدني.

وتمثل التعاون ايضا في مواجهة المخاطر النووية والإشعاعية وإنشاء مركز مجلس التعاون لإدارة حالات الطوارئ والتعاون في مكافحة المخدرات والتعاون في مجالات التحقيقات والمباحث الجنائية والشرطة الخليجية والمرور وحرس الحدود وخفر السواحل والمؤسسات العقابية والإصلاحية والعديد من مجالات التعاون الأمني الأخرى.

أما في مجال التعاون الإعلامي بين دول مجلس التعاون فقد استطاع هذا المجال خلال الأعوام الماضية تحقيق العديد من أهدافه كانجاز ميثاق الشرف الإعلامي ووضع الاستراتيجية الاعلامية والتعاون في مجال الإعلام الخارجي والتعاون التلفزيوني والإذاعي والصحافي وفي مجال وكالات الأنباء.

وفي مجال التعاون الاقتصادي فإن النظام الأساسي لإنشاء مجلس التعاون يمثل المرجعية الأولى نحو تحقيق تكامل اقتصادي بين دول الخليج الست بدءا من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي وقعت عام 1981 ومرورا بالاتفاقية الاقتصادية لعام 2001 والاتحاد النقدي والعملة الموحدة والتعاون التجاري والاتحاد الجمركي وجهود إنشاء السوق الخليجية المشتركة وتعزيز المواطنة الاقتصادية.

واهتم المجلس أيضا بالتعاون في مجال المحاسبة والرقابة المالية كأحد مجالات التعاون الاقتصادي المهمة لاسيما في إطار تنسيق مواقف دول المجلس امام المنظمات الدولية التي تشترك دواوين المحاسبة بعضويتها كالمنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (الانتوساي) والمنظمة الاسيوية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (اسوساي) والمجموعة العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (اربوساي).

ويعتبر التعاون في مجال الزكاة من أبرز الأمثلة على جهود دول المجلس نحو تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها حيث أقرت لجنة التعاون المالي والاقتصادي في مجلس التعاون خلال اجتماعها السابع والأربعين الذي عقد في 16 مايو 1998 تكوين لجنة من الجهات المختصة بالزكاة والضرائب بدول المجلس الست للبحث في كل ما من شانه تدعيم العمل المشترك في هذا المجال.

وقد خلص فريق العمل المختص إلى عدة توصيات رسمت خارطة طريق للعمل في مجال الزكاة والضرائب لدول المجلس من خلال استعراض تجارب الأجهزة المختصة وتشجيع الدورات التدريبية بين دول المجلس في هذا المجال وطرح برنامج دبلوم الزكاة وجائزة الإبداع للعاملين في هذه الأجهزة بدول المجلس وإنشاء الموقع الالكتروني للأجهزة المسؤولة عن الزكاة وغيرها من الانجازات في هذا المجال.

وفي مجال التعاون الإقليمي والعلاقات الاقتصادية مع الدول والتجمعات الإقليمية الأخرى فقد أدى مجلس التعاون دورا فاعلا في إثراء هذا المجال سواء مع الدول العربية أو الأجنبية إضافة إلى المجموعات والكتل الإقليمية كان من أبرزها التعاون مع اليمن والأردن والمغرب.

ومن أبرزها ايضا إثراء الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والصين وباكستان والهند وتركيا ودول “الميركسور” ودول رابطة التجارة الحرة الأوروبية “افتا” واليابان وكوريا وسنغافورة واستراليا ونيوزلندا ورابطة دول جنوب شرق اسيا “اسيان”.

وفي مجال التعاون القانوني والقضائي فقد عملت دول المجلس على التقريب بين أنظمتها وقوانينها وصولا إلى توحيدها كما عملت على تحقيق المزيد من التقارب والصلات بينها في المجالات التشريعية والقضائية وإعداد مشروعات الأنظمة (القوانين) الموحدة وتعزيز التنسيق فيما بين الأجهزة العدلية والقضائية وتوحيد أنواعها ودرجاتها وإجراءاتها. ومن أهم الانجازات التي تحققت خلال الفترة الماضية من العمل الخليجي المشترك في الجانب القانوني والقضائي إبرام العديد من الاتفاقيات القضائية والوثائق القانونية وعمل ندوات متخصصة في المجالات العدلية والقضائية اضافة الى زيارات متبادلة لوفود قضائية والتعاون ايضا في مجال حقوق الإنسان والسعي لحماية النزاهة ومكافحة الفساد.

وشمل التعاون والتنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي جوانب عديدة من أبرزها التعاون في مجالات الطاقة والكهرباء والماء والصناعة والنقل والمواصلات والاتصالات والزراعة اضافة الى مجال التخطيط والإحصاء والتنمية.

كما أن هناك تعاونا فعالا ومثمرا بين دول المجلس في مجالات التعليم والتعاون العلمي والتقني وفي مجال العمل والخدمات الاجتماعية إلى جانب التعاون في مجالات الصحة والبيئة والعمل البلدي المشترك والإسكان والشباب والرياضة.

ويبقى الإنسان محور العملية التكاملية الخليجية وهدفها ولذلك أقر قادة دول المجلس في قمة الدوحة التي عقدت في ديسمبر 2014 إعلان حقوق الإنسان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية انطلاقا من إيمان عميق بكرامة الإنسان وتأكيدا لاحترام دول المجلس لحقوق الإنسان المكفولة بموجب أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة والقوانين الوطنية المعمول بها والتشريعات والصكوك الدولية.

وتبرز الشمولية في الأهداف والانجازات كإحدى سمات العمل الخليجي المشترك التي جعلت من مجلس التعاون كيانا لامس شتى جوانب الحياة في الدول الأعضاء السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والبيئية وغير ذلك. كما انه لا حدود أفقية للعمل المشترك في المجلس ولا قيود تحول دون الدفع بالتعاون والتكامل في أي مجال نحو مراحل أكثر تقدما وعمقا.

وكانت الحصيلة بعد هذه السنوات من العمل الجماعي المتواصل والجاد كيانا تكامليا أصبح نموذجا للتجمعات الإقليمية الهادفة إلى تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز أمن ورخاء الأوطان وتقدم ورفاه الشعوب.

أضف تعليقك

تعليقات  0