عن مصطلح المعارضة


من الأهمية بمكان، كما ذكرنا غير مرّة، ضبط المصطلحات التي تُستخدم في الساحة السياسية، إذ من الخطأ ترديد مصطلحات من دون فهم معناها،

وذلك لأن أي مفهوم أو مصطلح يحتاج إلى عملية ضبط وتحديد دقيق لمعناه، فمصطلح الحريات، أو الديمقراطية، أو دولة المؤسسات، أو مكافحة الفساد قد يختلف معناه من شخص لآخر ومن فصيل سياسي لآخر، فمفهوم تيارات الإسلام السياسي بتلاوينها المختلفة "سنّة وشيعة" للحريات والديمقراطية،

على سبيل المثال لا الحصر، يختلف اختلافاً كلياً عن مفهوم القوى المدنيّة الديمقراطية.

وفي السياق ذاته فإن مصطلح المعارضة يحتاج إلى عملية ضبط تأخذ في الاعتبار طبيعة الوضع السياسي المحلي الذي لا يسمح بتداول السلطة التنفيذية،

فضلاً عن عدم إشهار العمل السياسي وتنظيمه على أسس وبرامج وطنية كي يكون هناك معارضة تُمثلها عادة أكبر أقلية برلمانية.

أضف إلى ذلك أن مصطلح المعارضة بشكل عام لا يعني أن هناك كتلة واحدة صماء تنطلق من المبادئ نفسها، وتتبنى الموقف المُعارض للأسباب والمطالب ذاتها،

حيث يوجد داخل أي معارضة سياسية واسعة تباينات وخلافات، بل اختلافات واصطفافات داخلية،

وكذلك الحال في أي حركة احتجاجية شعبية-سياسية عريضة (جماعة ضغط) تجمع، في مرحلة ما، أطرافاً سياسية واجتماعية مختلفة مثل حركة الاحتجاج على انفراد الحكومة بتغيير النظام الانتخابي.

هذا ومن غير المستبعد أن يقفز على اصطفاف المعارضة الواسع في مرحلة ما أو على الحركة الاحتجاجية من يقف ضدها في حقيقة الأمر، ولكنه يحاول استغلالها من أجل تحقيق مصلحته الذاتية.

ويزداد الطين بلّة في حالة الفوضى السياسية التي تنشأ عندما لا يكون العمل السياسي مُشهراً ومُنظماً على أسس مدنية ديمقراطية وبرامج وطنية واضحة يُمثل كل منها مصالح فئات وشرائح وطبقات اجتماعية،

وأيضاً عندما يُكتفى بالشكل الفارغ على حساب المضمون الديمقراطي الحقيقي، فيطغى العمل الفردي والتكسب السياسي والانتهازية من أجل مصالح شخصية وخاصة على العمل السياسي الحقيقي الذي يستهدف المصلحة العامة،

بل تتكاثر، نتيجة للفوضى السياسية، الجماعات والعناصر الرجعية المُتخلّفة التي يتم حظرها عادة في الدولة الديمقراطية ومنعها من ممارسة العمل السياسي لأنها تعادي النظم الديمقراطية وترفع شعارات أو برامج طائفية تتناقض مع المبادئ والقيم والقواعد المدنية الديمقراطية،

ولكنها تستغل الآليات الديمقراطية كصناديق الاقتراع باعتبارها وسيلة مناسبة للوصول لسلطة اتخاذ القرار من أجل التكسب المصلحي والعمل على هدم النظام الديمقراطي من داخله.

لهذا فإن استخدام مصطلح المعارضة على إطلاقه غير دقيق ومُضلل، إذ يتطلب الأمر تحديد طبيعة المعارضة وبرامجها الاجتماعية-الاقتصادية، ومَن يُمثّلها ويتحدث باسمها،

فهناك معارضة مدنيّة ديمقراطية تحترم الدستور، وتستهدف تطوير النظام الديمقراطي وتجذيره، في حين أن هناك على النقيض معارضة رجعية وطائفية أسوأ من الوضع القائم،

ولو كان لدينا ديمقراطية حقيقية لتم حظر القوى الرجعية والطائفية كافة ومنعها من ممارسة العمل السياسي، فهي تُعادي الدستور والقيم المدنية الديمقراطية والحريات،

وتُركز معارضتها على شكل الآليات السياسية فقط لأنها تستهدف هدم النظام الديمقراطي من داخله والعودة بالمجتمع قروناً للوراء.

إن ضبط المصطلحات المُستخدمة، مثل مصطلح المعارضة من قِبل المهتمين بالشأن السياسي والعام، يعتبر خطوة في منتهى الأهمية كي لا يختلط الحابل بالنابل،

فتزداد حالة الفوضى السياسية ويستمر تضليل الرأي العام،

بحيث لا يعود الناس يفرقون بين مَن يطالبون بالإصلاح السياسي-الديمقراطي الحقيقي الذي يحافظ على المكتسبات الدستورية ويطوّر النظام الديمقراطي،

ومَن يقفون ضده.

أضف تعليقك

تعليقات  0