ليلة استجار أردوغان بشعبه فأجاره


فصيل من الجيش التركي تمرد على رؤسائه وقاد انقلابا عسكريا على الدولة المدنية التركية، وأعلن أمس الأحد رئيس الوزراء التركي فشله 100%، وهذا هو الخبر، ولكن الأهم من الخبر التحليل، ما الذي أفشله؟ محللون وساسة واعلاميون واختصاصيون عسكريون، قالوا إن العوامل التي أفشلته هي:

? رفض الجيش التركي للانقلاب ما اعتبر تمرد فئة وتم إخماده.

? تأمين الاستخبارات والشرطة السرية الرئيس وكبار موظفي الدولة

? دور الأمن الداخلي والقوات الخاصة في: ـ السيطرة وحماية مفاصل الدولة والأماكن الحساسة.

ـ السيطرة على الشارع.

ـ حصار ومطالبة المتمردين تسليم أسلحتهم وأنفسهم للشرطة والقبض عليهم وتسليمهم لجهات التحقيق.

ـ حماية المستسلمين من غضب الشعب.

ـ تأمين وحماية الشعب في الشوارع والميادين. وأتفق مع كل ما سبق وأزيد وأجزم بأن هناك «كلمة سر» مكونة من الجملة التالية «جميع أطياف الشعب التركي، المعارضة الوطنية الشريفة والإعلام المهني المحترم».

هذه الخلطة السرية، لولاها لما استطاعت كل الأسباب الأخرى أعلاه النجاح، أو لتحول الأمر من انقلاب فاشل إلى فوضى ونزاع وصراع غير متضح المعالم، واستحال الأمر لحرب أهلية تعيد تركيا لنفس أجواء وظروف سقوط الدولة العثمانية. تخيل لو كان كل الجيش ضد الحكومة، ارجع للتاريخ بل انظر حولك، سترى تعسكر القضاء الذي نصب المشانق، وتسمع تأوهات المساجين، وتجد من يبحث في القمامة عن لقمة، ويسكن المقابر، لانهيار الاقتصاد وسقوط العملة وتركز المال بيد حفنة مارقة عن الدولة تصنف الشعب: نخب سادة وأخرى عبيد.

أما دور الإعلام المحلي فيكفي ما فعلته قناة ومذيعة معارضة ببث مكالمة الرئيس أردوغان الحاسمة، التي طلب فيها من شعبه الخروج للميادين للدفاع عن الدولة المدنية، وأكد أنه في البلاد ولم ولن يغادرها بل إنه قادم إلى مطار أتاتورك باسطنبول الذي احتلته المجموعة المنقلبة لمن يريد استقباله، لقد بثتها على الهواء مباشرة قناة معارضة، وكلنا يعلم شراسة المعارضة التركية، ولكننا لأول مرة نختبر قيمها وأخلاقها.

من جهاز نقال المذيعة الشخصي في القناة خطاب فصل تلاه تحرك الشعب كاملا رغم إعلان منع التجول من كل مكان تسبب في إرباك الجنود في الشارع الذين قد لا يعلمون سبب وجودهم فيه، عدا رؤسائهم بالطبع، وبسببه استسلموا خلال ساعات.

لقد وقف الإعلام المهني المحترم مع الدولة التركية ممثلة بالرئيس، تعاملوا مع أردوغان بصفته لا لشخصه، لم يقبل المشاركة في المسؤولية الأخلاقية عن تحطيم بلده ونسف مكتسباتها ولم تسيره المصالح والشخصنة بل الوطنية والمبادئ.

أما أحزاب المعارضة الكبرى فقد أعلنت بلا تردد رفض الانقلاب والعودة بالدولة للخلف، رفضت تقويض المؤسسات والتعدي على الدستور والقانون، وتفوقت على نفسها، وهي التي وجهت لأردوغان أبشع الصفات، ولكنها متيقنة بوعي نابع عن تجربة طويلة، بأن الدولة ليست أردوغان كشخص، بل هو الرئيس ويمثل الدولة وأي مشاركة في مؤامرة ضد الرئيس هي ضد الدولة. أما الشعب، فماذا قال للمؤسسة العسكرية ممثلا في البرلمان؟

قبل ثلاث سنوات، في 14 من يوليو 2013 تحديدا، صادق البرلمان التركي على تعديل المادة 35 من قانون الخدمة الداخلية للقوات المسلحة.

المادة التي كانت كلمة سر الانقلابات في تركيا يتذرع بها الجيش للتدخل في الشؤون السياسية للدولة، وكان التعديل تصحيحا لمسار قانون أقره برلمان الثمانينيات وهو تحت سلطة خفية للجيش باسم حماية القيم العلمانية للدستور،

فوضع مادة فيه تسمح له بالنزول للشارع وهي «ان القوات المسلحة التركية مسؤولة عن حماية الأراضي التركية والجمهورية التركية كما جرى تعريفها في الدستور».

بسببها تمتعت القوات المسلحة التركية بنفوذ سياسي واسع في البلاد، حيث أطاحت بأربع حكومات بين العامين 1960 و1997، ووجهت تحذيرا في 2007 لحكومة أردوغان رئيس الوزراء آنذاك. وتم تعديلها في 2013 لتصبح «القوات المسلحة التركية مسؤولة عن حماية الأراضي التركية ضد أي خطر وتهديد خارجي وضمان حماية وتعزيز القوات المسلحة بطريقة رادعة، وأداء واجباتها في الخارج التي يسندها إليها البرلمان التركي، والمساعدة في إرساء السلام الدولي».

إذن، كانت كلمة الشعب التركي واضحة وقانونية عبر البرلمان: لا نريد أن يكون للجيش تدخل في سياسة الدولة الداخلية، وهو ذراع تنفيذية لسياساتها الخارجية، بناء عليه، فإن وجود أي دبابة وآلية عسكرية تابعة له في شوارع تركيا للولايات الواحدة والثمانين خرق للقانون، ما لم يكن بأمر من رئيسه الأعلى وهو الرئيس.

وإلا فإنه إعلان حرب على إرادة الشعب التركي وتحديه والخروج لمواجهته بممتلكاته التي يدفع ضرائبها للدولة لاستخدامها في حماية الدولة من الأخطار الخارجية فقط. وكان هذا ما حدث تماما من المتمردين من الجيش التركي، الخروج على الشعب والدولة، فماذا ينتظرون غير القصاص؟

وفي هذا الأمر أوجه رسالة شخصية للرئيس التركي: لقد استجرت بشعبك فاستجاب لك وأجارك قبل أن تنهي مكالمتك بقلب محب وصدر عارٍ، وهو مظلتك التي قفزت بها من السماء واثقا بأنها ستنفتح في الوقت المناسب لتنزل بك على الأرض واقفا من دون أن تنحني، فكذلك أنت اليوم أمام مسؤولية تاريخية أمام أبناء هذا الشعب وجند الجيش الذي اسميته «جيش محمد» باتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم في التفريق بين فئتين: قادة التمرد ورؤوسه والذين تولوا كبره، المغرر بهم من جند الجيش التركي، غير الضالعين فيه، الذين اتبعوا أوامر رؤسائهم بالنزول للشارع ويجهلون السبب.

أنت تقف اليوم في مكان حساس ومهم وشائك، والعدالة تحتم عليك تبين الشعرة الفارقة في القرار بين «طلقاء» قريش، وقتل البعض حتى لو «تعلقوا بأستار الكعبة». هنا تتجلى الزعامة أيها «الطيب»، هنا محك العدالة، ثم ستتبعها التنمية.

أضف تعليقك

تعليقات  0