هل استوعبنا درس «الجائزة»؟!

لا شك في أن حصول «رباعية الحوار الوطني في تونس» على جائزة نوبل للسلام يحمل دلالات بالغة الأهمية بالنسبة إلى البلد العربي الذي انطلق منه الربيع العربي، وأيضاً بالنسبة لكثير من البلدان التي تمر بظروف بالغة الدقة، وحتى بالنسبة إلى دول تشهد هدوءاً «أمنياً» واستقراراً «مؤسساتياً»، ولكن الأزمات فيها تتراكم بسبب انعدام الحوار.

المبادرة الإنقاذية التي أطلقها الرباعي في تونس وحدت الجهود بالوصول إلى مرحلة المؤسسات الديموقراطية، وتغليب المصلحة العليا على المصالح الذاتية والأجندات والتكسبات السياسية وكذلك قوى العنف والتطرف والإرهاب.

بالطبع، فإن الحوار اعترضته في البداية صعوبات عدة، ولكنه استطاع تأمين الأرضية الصالحة لإقرار دستور توافقي توّج بانتخابات تشريعية ورئاسية أنهت المرحلة الانتقالية.

القوى الأربع التي حازت على «نوبل للسلام» هي ذات صفة مهنية وحقوقية، ولكن سيرتها الذاتية ونشاطها الحقوقي يحملان رمزية، ما جعلها مؤهلة للقيام بدور الوسيط وراعي الحوار في مرحلة ما بعد الثورة.

ورسالة الرباعي تقوم على صون وحدة البلاد رغم الأحداث المتتالية والانقسامات والتجاذبات.. واللافت هو أنها لم تخضع لأي تأثير خارجي، وقد احترمت تضحيات الشعب وفي معزل عن أي تدخلات أمنية للرأي العام.

إنه نموذج حضاري يتجاوز حتى موضوع إيجاد دستور وقيام انتخابات ديموقراطية، ليصل إلى ترسيخ قناعة في النفوس بضرورة الارتقاء إلى مستوى حضاري في النقاش، وفي الخلاف حول القضايا الكثيرة التي قد تعترض العملية السياسية والإنمائية الحالية.

هذه التجربة تشكّل «درساً» لكثير من السياسيين والمسؤولين، لا سيما من حيث دور النخب الوطنية والواعية، وكيفية تغليب المصلحة العليا على الاعتبارات الذاتية، وعلى مساحات الصراعات والأجندات.

هذه التجربة الحوارية والإنقاذية سجّلت نجاحاً «باهراً» حتى في دولة مثل تونس قامت فيها سلسلة من الإرباكات الأمنية والسياسية والقانونية والدستورية منذ قيام الثورة، وسيطرت فيها جماعات إسلامية على السلطة لبعض الوقت، وتتالت العمليات الإرهابية والتهديدات ومختلف أنواع الابتزاز والضغوط النفسية..

فكان أن انتصرت الفكرة القائلة بترسيخ لغة البناء ولغة المؤسسات على حساب الصراخ والتصعيد اللا مؤسساتي. ومن الدروس المستفادة من جائزة نوبل للسلام أنه مهما اشتدت الأزمة في بلد معين، فلا بد من إيجاد صيغة لحلها من قوى داخلية، وإلا ستبقى لسنوات طويلة في انتظار حلول خارجية.

وبحيث توضع جانباً الميول والخلافات والحسابات الضيقة من أجل بناء قواعد دولة تحترم آمال الأجيال المقبلة،

ولكن المهم أن تقوم بمبادرة الحل جهة (أو جهات) لها تأثيرها الفاعل، ورصيدها الشعبي، وتلقى احتراماً لدى الفرقاء، وكذلك لدى الرأي العام الذي يطمح إلى إيجاد حالة من الاستقرار.

فوزية أبل

أضف تعليقك

تعليقات  0