‎بالون ديون العالم .. إلى أين؟ بقلم :  أ.د. محمد إبراهيم السقا

بالون ديون العالم .. إلى أين؟ بقلم :  أ.د. محمد إبراهيم السقا في حزيران (يونيو) من عام 2015 بلغت نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم معدلات غير مسبوقة،

وأصبحت تتجاوز جميع الحدود المأمونة التي يمكن أن توحي بأي قدر من الاطمئنان حول قدرة العالم على خدمة هذه الديون أو التعامل معها على أي نحو يضمن استمرار استدامة الاستقرار الاقتصادي العالمي وعدم تهديد مستويات النمو والرفاه فيه. فقد بلغت نسبة إجمالي الديون،

أي الديون الحكومية وديون قطاعات الأعمال بما فيها قطاعات المال وديون الأفراد، إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو أكثر مؤشرات الديون أهمية،

وفقا لبيانات بنك التسويات الدولية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، 409 في المائة في اليابان، و307 في المائة في أستراليا، و293 في المائة في هونج كونج، و279 في المائة في إسبانيا، و278 في المائة في فرنسا و259 في المائة في سنغافورة، و251 في المائة في الولايات المتحدة، و245 في المائة في المملكة المتحدة، و232 في المائة في الصين، و228 في المائة في كوريا الجنوبية.

من بين هذه الديون بلغت نسبة الدين الحكومي إلى الناتج 244 في المائة في اليابان، و103 في المائة في الولايات المتحدة،

و100 في المائة في إسبانيا وسنغافورة، و98 في المائة في فرنسا، و88 في المائة في المملكة المتحدة، و73 في المائة في ألمانيا، و66 في المائة في الصين والبرازيل،

وهي مستويات جميعها تتجاوز الحد الآمن من الناحية النظرية (60 في المائة). في شباط (فبراير) من العام الماضي أصدر معهد ماكينزي الدولي تقريرا صادما بعنوانDebt and not much Deleveraging .

ضمن فيه تقديراته عن تطورات الديون في العالم منذ عام 2000، ووفقا لتقديرات المعهد فقد بلغ إجمالي ديون العام في الربع الرابع من عام 2000 نحو 78 تريليون دولار (فقط). بحلول الربع الرابع من 2007، بلغ إجمالي دون العالم 142 تريليون دولارا، أي بزيادة قدرها 64 تريليون دولار خلال سبع سنوات بمتوسط تسعة تريليونات دولار سنويا. (لاحظ أن الناتج المحلي في العالم لا يتزايد بأي قدر يقارب هذا المتوسط سنويا).

مع انطلاق الأزمة المالية العالمية أخذت ديون العالم في التصاعد إلى 199 تريليون دولار في الربع الثاني من 2014، أي بزيادة قدرها 57 تريليون دولار في غضون سبع سنوات ونصف، أي بمتوسط زيادة 7.5 تريليون سنويا.

عزيزي القارئ، لاحظ أنه على الرغم من تراجع معدل الزيادة في الديون أثناء هذه الفترة، إلا أن هذه الزيادات الأخيرة في الديون اتسمت بالخطورة الشديدة، وذلك لأنها تركزت في زيادة الديون الحكومية التي ارتفعت من 33 تريليون دولار في الربع الرابع من 2007 إلى 58 تريليون دولار في الربع الثاني من 2014، أي بمعدل نمو متوسط 9.3 في المائة،

وهو أعلى معدل للنمو بين المجموعات المدينة في العالم على الإطلاق (الحكومات، الأفراد، مؤسسات الأعمال، المؤسسات المالية) خلال الفترة من 2000 حتى 2014، وهنا مكمن الخطورة، فهذه الديون يتحمل عبئها الجميع.

عزيزي القارئ، هل لك أن تتصور معي مدى ضخامة وخطورة هذه الأرقام؟ بالنسبة لي ليس من الواضح أو من غير المتصور، على الأقل في الوقت الحالي، كيف سيتعامل العالم مع هذه الديون؟ كيف سيخدمها؟ وما هو السبيل لتمويلها؟ وعلى أي مدى زمني سيتم ذلك؟ وماذا سيحدث عندما تقفز أسعار الفائدة عليها؟ ومتى سينعكس اتجاهها؟ وكيف سيخفف من آثارها؟ أو باختصار،

هل سينفض العالم الديون من على عاتقه يوما ما؟ أم أن الديون ستدك عنق العالم وتقضي على الأخضر واليابس فيه؟ ولكن ما الذي حدث؟ ما الذي دفع بركان الديون إلى الانفجار على هذا النحو الخطير؟ وكيف انتهى الأمر بحكومات العالم إلى هذا الموقف؟ بتحليل الظروف الاقتصادية في العالم بعد الأزمة المالية نجد أن هناك ثلاثة عوامل أدت إلى انفجار بركان الديون في العالم والمتمثلة في سياسات التسهيل النقدي من خلال قيام البنوك المركزية بخفض معدلات الفائدة الأساسية إلى معدلات صفرية أو شبه صفرية وأخيرا معدلات سالبة.

فمع انهيار أسواق الأسهم في 2008 كان الاحتياطي الفيدرالي في هذه المرة حريصا على ألا يكرر الخطأ الذي ارتكبه في الكساد العالمي الكبير،

حيث فشل الاحتياطي الفيدرالي في إيجاد كمية كافية من النقود لكي يعوض الانخفاض الكبير في سيولة البنوك. لذلك كان من استراتيجيات رد الفعل للاحتياطي الفدرالي خفض معدل الفائدة على الأموال الفدرالية إلى معدل مستهدف بين صفر كحد أدنى وربع في المائة كحد أقصى.

واستمر الأمر على ذلك لنحو ثماني سنوات حتى تم رفع معدل الفائدة المستهدف بربع في المائة إلى أعلى في كانون الأول (ديسمبر) 2015. ثم بدأت عمليات التحفيز المالي للاقتصادات في العالم، مثلما حدث في الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان وغيرها من دول العالم،

سواء التحفيز المباشر بتخصيص ميزانيات مالية إضافية لرفع مستويات الطلب الكلي بتمويل مشروعات البنى التحتية وتقديم المساعدات الإنتاجية والمساعدات للمستهلكين وغيرها، أو بشكل غير مباشر، مثلما حدث مع تخفيض مستويات الضرائب على الأعمال وغيرها من أشكال الإعفاء الضريبي التي ترتب عليها حدوث عجز مالي في ميزانيات هذه الدول،

ومن ثم بدأت ديون الحكومات تتراكم بصورة غير مسبوقة. هدفت برامج التحفيز المالي إلى تشجيع النمو ورفع معدلات التوظف والخروج السريع من الأزمة وفقا للروشتة الكينزية. فلما فشلت تلك الخيارات في إحداث التحول المتوقع،

بدأت البنوك المركزية في العالم في عمليات ضخمة للتحفيز النقدي من خلال شراء تريليونات الدولارات من الأوراق المالية ورفع القوائم المالية للبنوك المركزية فيها، أو ما عرف بسياسات التيسير الكمي (النسخة اليابانية) أو سياسات تيسير الائتمان (النسخة الأمريكية).

بهذه العوامل مجتمعة تهيأت الظروف الاقتصادية في العالم أجمع نحو بلوغ نتيجة واحدة وهي تصاعد الديون، فالحكومات تريد مزيدا من الإنفاق،

ومن ثم فإن عجز الميزانيات يسهل تبريره والأهم من ذلك تمويله بتكلفة منخفضة للغاية، وما يتم إصداره من ديون تجد الأموال جاهزة لامتصاصها.

لكن على ما يبدو أن لا أحد من الحكومات المقترضة يسأل نفسه، إلى أين، ومتى نتوقف، وأين هو الحد الأقصى الذي يجب أن يبدأ عنده كبح جماح عمليات الاقتراض؟ من الواضح أن جل ما يفكر فيه الجميع اليوم هو الانتهاء من الأزمة الحالية،

لكن أحدا لا يحسب التكلفة على نحو صحيح، وانعكاسات ما سنخرج به من الأزمة على احتمالات استدامة حلها.

أضف تعليقك

تعليقات  0