درس كويتي في الهوية الخليجية! - بقلم : د. حسن عبدالله جوهر

الهوية الخليجية تعد أهم التحديات التي تواجه منظومة دول مجلس التعاون لبناء هيكل متشابه من حيث المقومات المؤسسية والبناء الفكري الثقافي لنجاح هذا النموذج الإقليمي، الأمر الذي يستوجب خلق حالة من الفهم المشترك الواضح بين شعوب هذه الدول دونما لبس أو تفاوت كبير في المواقف.

الكويتيون أعطوا درساً بليغاً في تعزيز الهوية الوطنية قبل أن تنطلق الندوة التي ينظمها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ولو كنت مكان الأخ الفاضل وزير الإعلام لاتخذت قراراً جريئاً بإلغاء هذه الندوة واكتفيت بالوقفة الأصيلة التي جسدها الشعب الكويتي عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمعنى الوفاء للكويت، ومصداقاً للانتماء الوطني من خلال استذكار تلك اللحمة النادرة التي وقفت في وجه الغزو الصدامي لبلدنا عام 1990.

موقف الكويتيين بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم، باستثناء بعض مرضى النفوس، تجاه دعوة سميرة رجب لهذه الفعالية الخليجية جاء منسجماً مع المنطق، ويعكس تلقائية النتائج والجروح التي خلفها عدوان صدام حسين ضد بلدنا وشعبنا، ووفاء لدماء شهدائنا الذين قتلوا وأخفيت جثامين المئات منهم حتى هذه الساعة، وتصريحات سميرة رجب في تمجيد قاتل أبنائنا وحرقة قلبها على سيد شهدائها بالتأكيد لا تساوي عندنا «عفطة عنز»، ولكن «قواة عينها» وانعدام الحياء فيها لكي تأتي إلى ديرتنا لتعلمنا أصول الوطنية، لكنها وبحمد لله تعلمت درساً لا ينسى في احترام الناس وعقولهم وقلوبهم، فكان لها ما استحقته، وكذلك من تجرأ ووجه لها الدعوة ضارباً عرض الحائط بمشاعر أهلنا وخصوصا ذوي الشهداء.

إن مشكلتنا الحقيقية ليست سميرة رجب أو غيرها، فالناس تؤمن بما تريد، وهناك تنوع في الفكر والمعتقد والرأي وحتى المصالح، ودول الخليج ليست استثناءً، إلا أن عنوان المؤتمر الذي تستضيفه الكويت هو تعزيز الهوية الخليجية، والهوية من المصطلحات السياسية الدقيقة والخطيرة، وتعني ضمن مصاديقها المختلفة التطابق، أي اشتراك مجموعة من الناس بجملة من المرتكزات التي تجمع الجانب القانوني من جهة، إضافة إلى الشعور النفسي الباعث للارتياح من جهة أخرى، بحيث يتطابق الناس في الانتماء والتقارب في الفكر والمصير المشترك، ويعد تعزيز الهوية أحد المتطلبات الرئيسة لقيام كيان يميز منتسبيه عن الآخرين.

الهوية الخليجية تعد أهم التحديات التي تواجه منظومة دول مجلس التعاون لبناء هيكل متشابه من حيث المقومات المؤسسية والبناء الفكري الثقافي لنجاح هذا النموذج الإقليمي، الأمر الذي يستوجب خلق حالة من الفهم المشترك الواضح بين شعوب هذه الدول دونما لبس أو تفاوت كبير في المواقف، ولعل الحكومات الخليجية تتحمل مسؤولية كبيرة في وضع البنية التحتية لمثل هذه الثقافة الفكرية المشتركة من خلال التنشئة السليمة، خصوصا في صفوف الشباب.

بالمناسبة، فقد كنت أحد المدعوين للمشاركة بورقة علمية في ندوة الكويت، واستجبت لهذا الطلب انطلاقاً من أهمية هذا العنوان وخطورته، وتناولت فيها أبرز الصعوبات والتحديات التي تواجه بلورة رؤية خليجية واقعية وجملة من التوصيات التي من شأنها انتشال حالة الفشل الخليجي الممتد طوال أربعة عقود، لكني فوجئت بطلب المنظمين إلغاء ورقتي بحجة عدم تسليمها بتاريخ 30 أغسطس الماضي رغم أن الاتفاق الأولي كان بتقديم نسخة من البحث قبل انطلاق المؤتمر بأسبوع! لكن يبدو أن عقلية القائمين على تعزيز الهوية الخليجية تحلق في فضاء آخر، وتركز على أولوية تمجيد شخصيات مثل صدام حسين ومحبيه، رغم أن تهديده عام 1990 لم يشمل الكويت فقط، ولكن ابتلاع مجلس التعاون برمته، فهنيئاً للشعوب الخليجية هذا الفكر الوحدوي المبدع!

أضف تعليقك

تعليقات  0