(الوكالة في مباشرة الحق السياسي) بقلم المحامي د. فهيد محسن الديحاني

 انشغل الرأي العام المحلي خلال الأيام الماضية بمسألة مدى جواز الترشح للانتخابات من خلال وكيل يتولى قيد اسم المرشح بالجدول المُعد لذلك نيابة عن المرشح الأصيل الذي حالت ظروفه دون وجوده في البلاد أثناء المدة المحددة للتسجيل.

وثار سجال قانوني حول المسألة وانقسم الفقه الي فريقين احدهم مؤيد والآخر معارض وصدر حكم قضائي ابتدائي يجيز هذا الأمر والقضية معروضة على محكمة الاستئناف لتصدر فيها حكماً نهائياً حاسماً للجدل .

والحقيقة أن الدفوع التي أبداها المدعى عليه بصفته تمحورت حول أمرين هامين أولهما أن الحقوق السياسية حقوق لصيقة بالشخصية لا يجوز مباشرتها بواسطة وكيل وثانيهما أن التحقق من توافر شرط الكتابة بالمرشح لا يمكن التحقق من استيفاءه إلّا بوجود المرشح بنفسه أمام الموظف الذي يتولّى عملية تسجيل المرشحين .

وانا كباحث قانوني مهتم في هذا المجال سأدلي بدلوي فيه مؤيدا للفريق الذي يري انتخاباً وتصويتاً عدم جواز التوكيل في مباشرة الحق الانتخابي لأسباب عديدة وهي كالآتي :

1- يستخدم التشريع والفقه والقضاء لفظ "مباشرة" الحق السياسي كلما تعرض له حتي أنه اقترن به اقترانا لا ينفك عنه , ولهذا الأمر دلالة خاصة عندما نتصدى لتفسير النصوص الخاصة بالحقوق السياسية , فلفظ "مباشرة"يختلف اختلافا جذرياً عن لفظ "ممارسة" أو "مزاولة " أو "القيام ب" فلفظ "المباشرة" معناها لغة :الملامسة وباشر الأمر وليه بنفسه , أما معناه في الاصطلاح :فقد تعرض له المشرع الكويتي بإسهاب في مجال احداث الضرر بالغير وما يترتب عليه وذلك في المادة (227) من القانون المدنى الكويتي وأحالت المذكرة الايضاحية ومجموعة الأعمال التحضيرية في معني "المباشرة" الي الفقه الاسلامي الذي استخلصته منه محكمة التمييز وقضت بأن "المباشر "هو من كان فعله الذي "باشره بنفسه" قد جلب بذاته الضرر.

وقد وجد هذا التفسير صداه في قانون انتخابات أعضاء مجلس الأمة اذ نصت المادة الرابعة منه علي أنه "على كل ناخب أن يتولى حقوقه الانتخابية بنفسه...." , والمادة التاسعة عشرة منه والتي تنص علي أنه " يشترط فيمن يرشح نفسه لعضوية مجلس الأمة ....." وفي ذات الدلالة المواد (20 و21 و22 و24 ) ومما سبق وبالبناءعليه يدل على أن "مباشرة الحق السياسي" معناه أن يتولاه المواطن بنفسه دون واسطة والقول بخلاف ذلك فيه مخالفة للنصوص التشريعية ذات الدلالة القطعية

2- تولّى القانون الخاص تنظيم عقد الوكالة حيث تجد مجالها الرحب في التطبيق على العلاقات الناشئة بين الأفراد والتي ينظمها هذا القانون , أما القانون العام فإن الوكالة لا تظهر فيه إلا بشكل محدد فقط إذ يقوم مقامها "الانابة " و " الحلول " و"التفويض " وكلها أنظمة مختصة بتولي اختصاصات وسلطات الوظيفة العامة دون غيرها .

وقانون الانتخاب بوصفه قانونا عاماً انصاع لهذا المفهوم ولم يتطرق "للوكالة" في أحكامه إلا في المادة (30) منه حيث أجاز للمرشح توكيل غيره في دخول مراكز الاقتراع لأنه لا يٌتصوّر عملاً قدرة المرشح على الوصول لهذه المراكز في ظل اتساع النطاق الجغرافي للدائرة الانتخابية وقِصر الفترة الزمنية المتاحة للاقتراع , ولو أراد المشرع التوسع في ذلك لنص على حق " التوكيل " في اكثر من موضع مما يدل معه على عدم جواز التوكيل في مباشرة الحق السياسي وأن الاستثناء الوحيد المنصوص عليه في المادة (30) ما هو إلا لقيام الوكيل بإجراء ثانوي لا يدخل في صميم مباشرة الحق .

وسكوت المشرع عن ذلك وعدم تطرقه للتوكيل إلا بشكل محدود له دلالة معبرة وغاية مقصودة فحواها عدم جواز التوكيل في مباشرة الحقوق السياسية بشكل عام .

والنص على جواز الوكالة في قانون الانتخابات في المادة (30) فقط دون غيرها من المواد أمر يقتضيه المنطق ويستلزمه فن صناعة التشريع , فهو من وجه أول ، يساير قواعد القانون العام الذي لا يعرف الوكالة إلا في حدود ضيقة من روابطه , وهو من وجه ثان , يتوافق مع الواقع والمنطق وطبيعة الأمور إذ أن المرشح لا يستطيع عملها , بل ويستحيل عليه مادياً أن يتواجد في آن واحد في كل لجان الاقتراع حتى يراقب سير العملية الانتخابية فأجاز له المشرع التوكيل في هذه الحالة فقط دون غيرها من حالات مباشرة الحق السياسي .

3- القول بجواز التوكيل للترشح بالانتخابات سيفتح الباب أمام المطالبة بجواز التوكيل بالتصويت وهو إجراء خطير من شأنه هدم النظام الانتخابي وتزوير إرادة الأمة لأنه سيسهّل عملية شراء وبيع الأصوات الانتخابية المجرٌمة قانونا.

4- التوكيل بمباشرة الحق بالترشح للانتخابات ينافي الركن المادي المكون لهذا الحق والذي يتمثل في عمليتيّ التسجيل أمام الموظف المختص والترويج للنفس أمام الناخبين , وهما تصرفان مرتبطان مع بعضهما البعض , بل إن عملية التسجيل والتصريح المصاحب لها أصبح أحد أهم المعايير التي يتم الحكم من خلالها على المرشح بعد أن أصبحت وسائل التواصل تنقل هذا الحدث بشكل فوري , فمباشرة هذا الحق من خلال التوكيل يجعلها مباشرة ناقصة وهو أمر لم يتغيّاه المشرع.

5- التوكيل بالترشيح ينافي مبدأ " التواجد المادي" للمرشح في إقليم الدولة اثناء العملية الانتخابية منذ افتتاحها وحتى ختامها , حيث ان " التواجد المادي الفعلي" للمرشح في إقليم الدولة يضمن ما يلي :

ا- التحقق من توافر كافة الشروط فيه.

ب- التواصل مع الناخبين ليتمكنوا من القيام بحقهم بالحكم على مدى صلاحيته لتمثيلهم .

ج- خلو المرشح من أي سبب غير قانوني يدعو لبقائه خارج البلاد .

د- عدم فتح الباب أمام الساسة من مباشرة النشاط والعمل السياسي من خارج الكويت وهو أمر يضر بالمصلحة العامة للمجتمع ويخل بالنظام العام.

وتستفاد ضرورة " التواجدالمادي " للمرشح في إقليم الدولة خلال فترة الترشح من عموم نصوص قانون الانتخابات الذي أناط به القيام بنفسه بالتصرفات اللازمة لإتمام ترشحه وإدارته للعملية الخاصة بمباشرته لحقه السياسي .

6- التوكيل بالترشيح – مع عدم تسليمنا بجوازه – يجب أن يكون توكيلا خاصاً ولا يصلح أن يكون التوكيل عاماً وذلك إنفاذاً لنص المادتين (702 و 703) من القانون المدني إذ أن هذا الإجراء " التسجيل بالانتخاب وما يرتبط به من اجراءات " له أمور معينة وتوابع ضرورية وفقاً لطبيعته , فيتطلب وكالة خاصة محدداً فيها كل هذه التوابع , فيجب أن تشتمل هذه الوكالة على تحديد الدائرة الانتخابية المراد الترشح بها , وعلى موقف الأصيل من التنازل بشكل صريح وأي تأويل لذلك دون النص عليه في الوكالة يعتبر تعدياً على إرادة الناخبين .

7- التوكيل بالترشيح من المرجح عدم جوازه وبالتالي يظل احتمال إسقاط عضوية الأصيل بعد نجاحه قائماً وهذا الاحتمال قد يؤدي إلى عدم استقرار المراكز القانونية وبقائها مهتزة ومذبذبة ومضطربة مما يؤدي إلى عدم الثقة فيها في نفوس المواطنين .

8- تسجيل المرشح بواسطة وكيله لوجوده خارج البلاد لظروف خاصة قد يستتبعه استمراره في التواجد خارج البلاد حتى بعد نجاحه ومن ثم لن يتمكن من مباشرته لمهام عضويته في المجلس مما يؤدي لسقوط عضويته بسبب الغياب وإعادة العملية الانتخابية لخلو مقعده مرة أخرى وهذا من شأنه التقليل من مكانة العملية الانتخابية والإساءة لها وإهدار إرادة الأمة ووقتها وهو أمر لم يتغيّاه المشرع ولا يقبله .

9- التوكيل في الترشح للانتخابات من شأنه فتح الباب أمام كل كويتي مقيم خارج البلاد للترشح لعضوية مجلس الأمة من خلال وكيله وهذا من شأنه الترويج لأشخاص منفصلين عن المجتمع ومشاكله اليومية وبعيدين عن ناخبيهم وهمومهم واحتياجاتهم وغير قادرين على تمثيل الأمة تمثيلاً حقيقياً , هذا من جهة , ومن جهة ثانية ، فإن هذا الأمر قد يفتح الباب حول ممارسة العمل السياسي من خارج الدولة , وهذا كله لا يستقيم مع الفهم الصحيح للعمل النيابي ولمباشرة الحقوق السياسية .

10- التوكيل في الترشح للانتخابات يفتح الباب لتشكيل طبقة من السياسيين لا يواجهون بشكل مباشر متاعب العمل البرلماني ويستخدمون أشخاص آخرين بدلا عنهم , كما أنه يفتح الباب لتشكل طبقة من المواطنين والمقيمين يتولون مهام الوكالة عن المرشح. وهذا كله أمر يتنافى مع أعراف العمل البرلماني الذي من أهم أبجدياته وجود الممثل النيابي في خضم هذه العملية منذ بدايتها وحتي آخرها , والتأثير فيها والتأثر بها وهو ما يقتضيه العرف السياسي وتفرضه متطلبات العمل البرلماني .

11- الأصل في الوكيل أنه لا يشترط فيه إلا الأهلية , ولكن هذه الأهلية محل تفصيل , فأهلية الوكيل للقيد في جداول الانتخاب يكفي فيها أن يكون قد أتم عمره 21 سنة فما فوق , وأهلية الوكيل لتسجيل الأصيل في الانتخابات لا تكتمل إلا باكتمال عمره 30 عاما مع تحقق باقي الشروط المطلوبة في الأصيل بنائبه وهو شرط بديهي تتطلبه الوكالات الخاصة لأداء عمل محدد ففاقد الشيء لا يعطيه ولا يستطيع القيام به , لذلك على الإدارة أن تتحقق من توافر الشروط كافة بالنائب , فإن تخلف شرط من شروط الانتخاب في النائب لم يجز له تمثيل الأصيل في التسجيل , مع عدم تسليمنا بجواز الوكالة .

12- وأخيرا فإن البعض يحتج في قبوله للتوكيل في مباشرة الحق السياسي بتسهيل الاجراءات وتذليل العقبات وتجاوز البيروقراطية المقيتة وضرورة إتاحة الفرصة للجميع دون موانع , والحقيقة أن هذا الادعاء وإن كان ظاهره مقبولاً إلا أن مواجهة التعقيد لا تعني التفريط بهذا الحق وتحريره من الأسوار التي تحميه ولا تبرر مطلقاً التهاون في ضبط إجراءاته والتشدّد في حمايته ومن قبيل ذلك عدم السماح بمباشرته من خلال التوكيل .

ولكل هذه الأسباب أرى عدم جواز الوكالة في الترشح في الانتخابات ويجب ان يباشر المرشح حقه السياسي بنفسه وإلا فقد هذا الحق مع احترامي وتقديري لكل رأي آخر مخالف ، وسننتظر جميعاً القول الفصل للقضاء عند صدور حكم نهائي في المسألة المعروضة عليه

أضف تعليقك

تعليقات  0