«دير ياسين» كما لم تقرأ من قبل.. المذبحة على لسان منفذوها

في أرشيف جمعية تخليد تراث "ليحي" (مقاتلو حرية إسرائيل) توجد وثيقة عسيرة على القراءة، كتبها أحد أعضاء التنظيم السري قبل نحو 70 سنة. ويفتح الاطلاع عليها من جديد جرحا نازفا من عهد "حرب الاستقلال،" يثير الانشغال به حتى اليوم عاصفة في المجتمع الاسرائيلي. "نفذت حركتنا يوم الجمعة الماضي بالتعاون مع الـ(ايتسل) عملية احتلال هائلة للقرية العربية على طريق القدس – تل ابيب، دير ياسين. شاركتُ في هذه العملية بشكل نشط للغاية"، كتب يهودا فدر، الذي كان لقبه في ليحي "غيورا".

ولاحقا وصف فدر دوره في القتل: "حصل لي لأول مرة في حياتي، بيدي وأمام عيني سقط عرب. قتلتُ في قرية عربية واحدا مسلحاً، اطلق النار علي، وفتاتين عربيتين ابنتي 16 – 17، ساعدتا العربي مطلق النار. أوقفتهما الى الحائط، وأطلقت عليهما صليتي تومي" (الرشاش توميغان).

هكذا وصف فدر كيف نفذ اعداما للفتاتين، برشاش "توميغان". الى جانب ذلك، يروي عن سلب ونهب نفذه مع رفاقه: "صادرنا الكثير من المال، ووقع الكثير من المجوهرات والاموال في أيدينا". وينهي الرسالة بكلمات: "كانت هذه عملية هائلة حقا وليس صدفة انهم يشهرون بنا في اليسار مرة أخرى".

هذه الرسالة واحدة من الوثائق التاريخية التي يكشف النقاب عنها في فيلم وثائقي جديد باسم "ولد في دير ياسين" للمخرجة نيتع شوشاني، التي كرست السنوات الاخيرة لتحقيق تاريخي شامل عن مذبحة دير ياسين، والتي تُعتبر من الاحداث التاريخية التأسيسية لـ"حرب الاستقلال"، والذي بقي وصمة عار على جبين اسرائيل حتى الآن.

وقبيل البث الاول للفيلم، والذي سيتم غدا في مهرجان القدس، عرضت شوشاني على "هآرتس" الشهادات التي جمعتها في القضية، نتيجة نبش واسع في الارشيفات الى جانب مقابلات عميقة مع آخر المشاركين في العملية ممن لا يزالون على قيد الحياة. بعضهم حطم أمامها صمتا يعود الى عشرات السنين، أحيانا للمرة الاولى والأخيرة امام الكاميرا.

حرق الجثث

بدأ الهجوم على قرية دير ياسين في صباح 9 نيسان 1948، كجزء من "حملة نحشون" لاقتحام الطريق الى القدس. وشارك فيها نحو 130 مقاتلاً من الـ"ايتسل" و"الليحي" ممن تلقوا مساعدة من "الهاغناه".

واصطدم المقاتلون بمقاومة شديدة وبنار القناصة، وتقدموا بين منازل القرية ببطء مع القاء القنابل وتفجير المنازل.

قتل اربعة من المقاتلين وأصيب العشرات. وعن عدد السكان العرب الذين قتلوا هناك وعن ملابسات موتهم يوجد جدال طويل السنين، ولكن معظم الباحثين يشيرون الى أن 110 من سكان القرية، بينهم نساء، اطفال، وشيوخ، قتلوا فيها.

"ركضوا كالقطط"، روى يهوشع زتلر، قائد العملية عن الـ"ليحي"، حين وصف هرب العرب من منازلهم لشوشاني. واجرت شوشاني مقابلة معه في 2009، قبل بضعة اسابيع من موته.

ونفى زتلر بان رجاله ارتكبوا مذبحة في القرية ولكنه لم يوفر الكلمات كي يصف الشكل الذي قتل فيه سكانها. "لن أقول لك اننا كنا هناك بقفازات من حرير... منزل إثر منزل... ندخل مادة متفجرة وهم يهربون... تفجير والى الامام، تفجير والى الامام... وفي غضون بضع ساعات، نصف قرية لم تعد موجودة"، قال.

كما وفر زتلر وصفا قاسيا عن حرق جثث القتلى بعد احتلال القرية. فقد قال: "كانت هناك بضعة أخطاء من جماعتنا، غضبت مما فعلوه.

فقد أخذوا القتلى، جعلوهم كومة، وحرقوهم. وكانت قد انبعثت الرائحة الكريهة. هذا ليس بسيطاً".

زميله في العملية، رجل الـ"ايتسل"، بن تسيون كوهن، يقول في الفيلم جملة مشحونة على نحو خاص. "لو كانت في حينه ثلاثة – أربعة دير ياسينات، لما بقي عربي واحد في البلاد.

فبسبب من كل هؤلاء اللاجئين في لبنان، في الاردن وفي سورية؟ يوجد يهودي واحد يمكنه أن يقول: "بسببه. أنا قدت دير ياسين".

مذبحة

شهادة قاسية اخرى طرحت في تحقيق شوشاني وفرها البروفيسور والمقدم احتياط مردخاي جيحون، الذي كان ضابط استخبارات "الهاغناه"، وارسل الى دير ياسين مع انتهاء المعركة.

"في نظري كانت هذه تبدو قليلاً "بوغروم" (مذابح اليهود في اوروبا)"، قال جيحون، الذي توفي قبل نحو سنة. "فاذا كنتِ تحتلين استحكاما عسكريا فهذا ليس بوغروم، حتى لو كان هناك مئة قتيل. ولكن اذا كنتِ تأتين الى بلدة مدنية، وكان القتلى متناثرين فيها فهذا يأخذ صورة بوغروم. عندما اقتحم القوزاق بلدة يهودية، في حينه كان هذا سيبدو شيئا مشابها له".

على حد قوله "كان هذا احساسا واضحا بالقتل، كان يصعب علي تفسيره بنفسي بانه تم في ظل الدفاع عن النفس. انطباعي كان يتجه بقدر أكبر نحو المذبحة، اكثر من أي شيء آخر. فاذا كان الحديث يدور عن قتل مدنيين ابرياء، فعندها يمكن ان نسمي هذا مذبحة".

يائير تسبان، نائب ووزير سابق عن "ميرتس"، روى في مقابلة مع شوشاني بانه بعد المذبحة، التي لم يشارك فيها، ارسل مع رفاقه من "الجدناع" (كتائب الشبيبة) لدفن جثث القتلى. "كان المنطق يقول إن الصليب الاحمر قد يصل في أي لحظة وينبغي طمس الاثار لأن نشر الصور والشهادات عما يحصل في القرية سيمس جدا بصورة حربنا التحريرية".

"رأيت غير قليل من الجثث"، اضاف. "لا أتذكر اني شاهدت جثة رجل مقاتل. ولا بأي حال.

أتذكر اساسا نساء وشيوخا". وشهد تسبان بانه رأى سكانا اطلقت النار في ظهورهم، ونفى ادعاءات بعض المشاركين في العملية بان القتلى اصيبوا في تبادل لاطلاق النار. "شيخ وامرأة، يجلسان في زاوية الغرفة وجهاهما الى الحائط، مصابان بالنار من الخلف"، كما وصف. "هذا لا يمكن له ان يكون عصف معركة. ولا بأي حال".

أثارت المذبحة في دير ياسين الكثير من الاصداء. فقد شجبتها الوكالة اليهودية، الحاخامية الرئيسة، وقادة "الهاغناه". واستخدمها اليسار لمناكفة اليمين. وشبهوها في خارج البلاد بجرائم النازيين. والى جانب ذلك، كما يصف المؤرخ بيني موريس في كتابه "ضحايا"، "كانت لدير ياسين نتائج سياسية وديمغرافية بعيدة الاثر": بعدها وقع الهروب الجماهيري للعرب من بلداتهم".

بدأت شوشاني تهتم بقصة دير ياسين قبل نحو عقد، في اطار مشروعها الختامي في "بتسلئيل"، والذي ركز على توثيق بصري للمستشفى الحكومي للصحة النفسية كفار شاؤول، الذي أقيم على اراضي دير ياسين بعد الحرب. وبعد أن وثقت المكان مثلما هو اليوم، بمبانيه، التي كانت في الماضي لسكان القرية وهي اليوم جزء من المستشفى – سعت شوشاني لتجد ايضا صورا تاريخية للمذبحة التي وقعت هناك قبل سبعين سنة.

لمفاجأتها، اكتشفت بان المهمة ليست بسيطة على الاطلاق. "في الانترنت توجد صور لجثث تعرض وكأنها التقطت في دير ياسين، ولكنها من صبرا وشاتيلا"، تقول، متناولة المذبحة التي ارتكبها المسيحيون في 1982 بحق مئات من سكان مخيمات اللاجئين الفلسطينية في لبنان.

"في ارشيف الجيش الاسرائيلي حرروا لي للنشر صور المقاتلين انفسهم من دير ياسين"، تضيف، وتعرض سلسلة صور يظهر فيها رجال الـ"ايتسل" والـ"ليحي" مسلحين، ولكن دون أي ذكر للقتلى العرب.

في أرشيف "الهاغناه"، حيث واصلت البحث، "كطفلة بريئة"، على حد قولها، كانت تنتظرها مفاجأة. وهي تقول: "توجه الي رجل كبير في السن، همس، ثم اقتادني الى غرفة جانبية وروى له بانه التقط صورا فور المذبحة".

كان هذا الرجل هو شرغا بيلد، ابن 91. في زمن المذبحة كان رجل وحدة الاستخبارات في "الهاغناه". وروى بيلد لشوشاني بانه بعد المعركة ارسل الى القرية مع كاميرا، لتوثيق ما رأته عيناه. "عندما وصلت الى دير ياسين، كان أول شيء رأيته شجرة كبيرة مربوطاً بها شاب عربي. وهذه الشجرة كانت محترقة. ربطوه وحرقوه. صورت هذا"، كما يروي. الى جانب ذلك يدعي بانه صور من بعيد ايضا ما بدا كعشرات القتلى الآخرين الذين جمعوا في محجر قرب القرية. وسلم شريط الصور للمسؤولين عنه، على حد قوله، ومنذئذ لم يرَ الصور.

يحتمل أن تكون هذه الصور جزءاً من المادة البصرية التي تخبأ حتى اليوم في ارشيف الجيش الاسرائيلي ووزارة الدفاع والتي تمنع الدولة نشرها حتى بعد 70 سنة. ورفعت شوشاني التماسا في الموضوع الى محكمة العدل العليا قبل عقد كجزء من مشروعها الختامي في "بتسلئيل". وانضمت "هآرتس" هي الاخرى الى الالتماس.

شرحت الدولة بان نشر الدول من شأنه ان يمس بعلاقات الدولة الخارجية وكذا بـ"شرف الموتى". في 2010، بعد ان اطلع القضاة على الصور، ردوا الالتماس وابقوا المادة بعيدة عن عيون الجمهور. اما شوشاني فنجحت في هذه الاثناء بوضع يدها على صور اخرى ترتبط بالمذبحة، منها سلسلة صور توثق اطفالا يتامى، قتل آباؤهم وامهاتهم في دير ياسين.

تواصل مذبحة دير ياسين عصف كل من يعنى بها حتى من مسافة 70 سنة. ليس الجميع يتفقون على تسمية "مذبحة". فالمؤرخ د. اوري ميلشتاين، الباحث في حروب اسرائيل، يفعل الكثير كي يحطم النظرية ويقول انه لم تكن هناك مذبحة. في منشورات عديدة بقلمه يدعي بان هذه "اسطورة كاذبة" و"فرية دم" وان القتلى العرب قتلوا في "معركة في منطقة مبنية".

"لا اعتقد بانه كانت لاحد هناك نية لقتل الاطفال"، تقول شوشاني وهي تجمل المواد التي جمعتها في القضية. ولكن، على حد قولها، "لم تكن هذه معركة مع قوة مقاتلين بل احتلال مفاجئ لقرية، حيال سكان دافعوا عن منازلهم بوسائل هزيلة". وعلى حد قولها، "كانت ايضا حالات، قليلة على ما يبدو، لتصفية سكان، "اعدام" بعد انتهاء المعركة، لغرض الردع وعلى ما يبدو انطلاقا من الخوف".

لقد كانت مذبحة دير ياسين الاولى من بين عدة احداث شارك فيها مقاتلون يهود في قتل مدنيين في "حرب الاستقلال" وبعدها. الحالة الشهيرة الاخرى هي ما حصل في كفر قاسم في 1956، في اليوم الذي نشبت حرب سيناء. نحو 50 مواطنا عربيا اسرائيليا قتلوا هناك بنار مقاتلي حرس الحدود. ومثلما في حالة دير ياسين، فان المواد الارشيفية من كفر قاسم هي الاخرى لا تزال الدولة تبقيها قيد الرقابة.

أضف تعليقك

تعليقات  0