عن قانون العفو الشامل المستحق

قضية "دخول مبنى مجلس الأمة" التي حدثت قبل ستة أعوام كانت إحدى نتائج أوضاع سياسية داخلية وصراع سياسي مُحتدم آنذاك، وصل ذروته أثناء الفضيحة السياسية الشهيرة التي كانت تتعلق برشا سياسية اتهم فيها رئيس الحكومة السابق،

وعدد من أعضاء المجلس، والمعروفة إعلامياً باسم "النواب القبّيضة"، هذا ناهيك عن تداعيات الأوضاع السياسية في بعض البلدان العربية في تلك الفترة لا سيما ثورتي تونس ومصر وانعكاساتهما على الوضع السياسي المحلي.

وقد أصدرت محكمة الاستئناف، قبل يومين، أحكاماً جنائية مغلظة بحق المتهمين في القضية، وبينهم عدد من الأعضاء الحاليين والسابقين وعشرات الشباب والسياسيين، حيث يبلغ عددهم الإجمالي سبعين شخصاً، وذلك بالحبس لمدد متفاوتة بعضها يصل إلى تسع سنوات.

ومع هذا فالقضية محل النقاش لا يمكن حصرها في الشق الجنائي فقط الذي نظرته المحكمة الموقرة، ثم أصدرت حكمها، بل ينبغي أن يُنظر أيضاً إلى شقها السياسي نظراً لأنها، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها،

حركة احتجاج سياسي رمزي وعفوي قام بها نواب ونشطاء سياسيون نتيجة فقدهم الثقة بالمؤسسات الدستورية، وذلك بعد أن أجبرتهم ظروف ميدانية في تلك الليلة على اللجوء إلى مبنى مجلس الأمة.

صحيح أنها حركة احتجاج حادة وغير مألوفة محلياً، ولكنها لا تحصل إلا عندما يفقد من يقوم بها الثقة بمؤسسات الدولة، وقد شاهدنا مثيلاً لها في بعض الدول العربية،

بل في دول رأسمالية متقدمة لديها مؤسسات ديمقراطية عريقة مثل حركة "احتلال وول ستريت" في أميركا. بكلمات أخرى فإنه ليس من الإنصاف والموضوعية إخراج "قضية دخول المجلس" من سياقها التاريخي والسياسي المحلي والعربي،

لا سيما أنها كانت في سياق حراك شعبي واسع رافض للفساد السياسي المؤسسي، وأثناء فترة ما كان يُسمى إعلامياً "الربيع العربي"، ثم النظر إليها كقضية جنائية صرفة، وذلك بمعزل عن سياقها وظروفها السياسية، والقضايا السياسية تُحلّ سياسياً لا جنائياً أو أمنياً.

والآن بعد أن صدرت أحكام محكمة الاستئناف وهي أحكام نهائية واجبة التنفيذ إلى أن يصدر الحكم النهائي والباتّ من قِبل محكمة التمييز،

فإن الاختلاف السياسي حول تفسير ما حدث بالضبط في تلك الليلة قبل ستة أعوام والموقف منه ينبغي ألا يشغلا الساحة السياسية عن ضرورة المطالبة الشعبية والسياسية بإصدار قانون عفو شامل لكل قضايا الرأي والتجمعات وفقاً لنص المادة (75) من الدستور،

بحيث يشمل الجميع سواء في هذه القضية أو في قضايا سابقة، وذلك من أجل تحقيق انفراج سياسي نراه ضرورياً في هذه المرحلة التاريخية كي تتماسك الجبهة الداخلية وتتوحد على قواعد وطنية صلبة وقادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية الجدية التي قد تُهدد كيان الدولة واستقلالها،

فمن غير الممكن الحديث عن استقرار سياسي، وتنمية حقيقية، وسياسة خارجية قوية ما دام الوضع السياسي الداخلي غير مستقر.

أضف تعليقك

تعليقات  0