"كاظمة"..أرض كويتية جمعت في طياتها قصص سلام وتنمية وحرب وإرهاب

(كونا) -- كاظمة التي تعني لغة (بئر ماء) هي منطقة كتب لها ألا تنضب من الأحداث المثيرة بدءا من معركة (ذات السلاسل) الشهيرة التي انتصر فيها المسلمون على الفرس في عام 633 هجري بقيادة الصحابي الجليل خالد بن الوليد مرورا بالعديد من الاحداث منها الدور المهم والمحوري الذي أدته خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918).

و(كاظمة) هو الاسم الذي تعرف به منطقة الكويت تاريخيا في الخرائط الملاحية والاطالس المختلفة واستمر حتى أواخر القرن ال 17 ميلادي حيث جمعت هذه الأرض بين طياتها قصص سلام وتنمية وحرب وإرهاب.

وتعد منطقة كاظمة أرضا عربية عذبة التربة نقية الهواء معروفة لدى العرب في الجاهلية وصدر الإسلام حيث سكنتها كبرى القبائل العربية وأنصفها الأدباء والشعراء حتى أحبوها وتغنوا بها وأطلقوا عليها (كاظمة البحور) و(سيف الكواظم). وتقع (كاظمة) في الجزء الشمالي الغربي من جون الكويت وهي تابعة لمحافظة الجهراء على بعد 40 كيلومترا من العاصمة الكويت.

وارتبط اسم (كاظمة) بالعديد من القصص والذكريات الجميلة والإنجازات التنموية في مسيرة الكويت علاوة على الكثير من الأعمال والمساعدات الإنسانية كما حمل هذا الاسم ذكريات مريرة شهدتها الكويت في فترة الثمانينيات وبداية التسعينيات.

ومن الذكريات المريرة التي شهدتها البلاد في فترة الثمانينات انعكاسات الحرب (العراقية - الإيرانية) والابتزازات التي تعرضت لها لاسيما محاولة اغتيال أمير البلاد الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح عام 1985 فيما كان الغزو العراقي الغاشم للبلاد عام 1990 الحدث الابرز في تاريخ الكويت.

وعلى الرغم من جميع التحديات السياسية والارهابية الصعبة التي شهدتها دولة الكويت فإن الشعب الكويتي أثبت تماسكه ووحدته وصموده أمامها في موقف تاريخي وبطولي أثار إعجاب المجتمع الدولي. وخلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) برز اسم الكويت بعدما أدت آنذاك عبر (ميناء كاظمة) دورا مهما ومحوريا في استقبال السفن البريطانية أثناء الحرب لإنزال الجرحى في مستشفيات عائمة صغيرة تأتي من (شط العرب) في البصرة إلى (جون الكويت) وتنقل بدورها جرحى الحرب إلى الهند لعلاجهم.

كما ارتبط اسم (كاظمة) بأحد أهم الأندية في تاريخ الرياضة الكويتية الذي أسس عام 1964 وهو نادي كاظمة الذي شهد ملعبه الرئيسي استاد (الصداقة والسلام) أحداثا متنوعة منها استضافة بطولة كأس الصداقة والسلام الودية لكرة القدم التي نظمتها الكويت عام 1989 بمشاركة عدد من الدول الآسيوية والأفريقية بعد عام من انتهاء الحرب العراقية - الايرانية بهدف إحلال السلام والمصالحة بين البلدين.

وما يبعث على الاسف أنه بعد مرور عام على تنظيم هذه البطولة التي توج بلقبها المنتخب العراقي اعتدت قوات النظام العراقي البائد في الثاني من أغسطس عام 1990 على دولة الكويت لتحتلها محولة استاد (الصداقة والسلام) الى أحد أكبر المعتقلات لأسر وتعذيب الكويتيين المدافعين عن وطنهم بعدما كان معقلا لتنظيم البطولات الرياضية وتعزيز التقارب والتلاحم العربي. وبعد حوالي 11 عاما على الغزو عاد استاد (الصداقة والسلام) ليكون شمعة مضيئة ونجمة تتلألأ في سماء الكويت باستضافته أوبريت مدارس وزارة التربية الذي نظم بعنوان (وطني) احتفالا بعيد الكويت الوطني ال 40 ويوم التحرير العاشر.

وجسد هذا الأوبريت الذي شارك فيه طلبة المدارس مسيرة وطن منذ نشأته حتى عمل الأوبريت مرورا بكفاح الاباء والاجداد من أجل لقمة العيش والبقاء وانتهاء بصمود الابناء من أجل تحرير الكويت والحفاظ على مكتسباتها.

وحمل اسم (كاظمة) ثلاث ناقلات نفط كويتية لكل واحدة منها تحمل حدثا مهما ففي مايو 1959 احتفلت الكويت بوصول أول ناقلة للنفط الخام في تاريخها تصل إلى ميناء الأحمدي وعلى متنها 68 بحارا وضابطا بحمولة تبلغ 46 ألف طن وهي من صناعة اليابان. أما ناقلة (كاظمة) الثانية فتم بناؤها عام 1982 بسعة 7ر294 ألف طن وتعرضت لهجوم صاروخي في عرض البحر خلال الحرب (العراقية - الإيرانية) في 10 يونيو 1984 ولم يسفر الحادث عن وقوع أي إصابات آنذاك.

وفي عام 2006 تسلمت الكويت أول ناقلة نفط عملاقة سميت كذلك ب (كاظمة 3) بحمولة تبلغ مليوني برميل لتكون أولى الناقلات النفطية الحديثة (ثنائية البدن) التي يتم بناؤها بعد تحرير الكويت.

كما حمل اسم (كاظمة) أربع طائرات من أسطول شركة الخطوط الجوية الكويتية لكل واحدة منهن قصة تحمل عدة ذكريات جميلة ومريرة في الوقت ذاته. ففي مارس 1954 حطت أول طائرة ركاب كويتية على أرض دولة الكويت وهي من طراز داكوتا (دي.سي 3) وسط احتفالية ابتهاجا بدخول عهد الطيران والنقل الجوي ومواكبة لبداية مرحلة الازدهار في البلاد.

ولم تستطع (الكويتية) في بداية الأمر تسيير رحلات جوية رسمية لبعض الدول لعدم وجود اتفاقيات مع شركات الطيران الأخرى وقامت حينها بتأجير (كاظمة) الأولى في بداية تشغيلها إضافة إلى طائرة اخرى حملت اسم (وارة) للخطوط العراقية التي طلبت من الكويت ذلك لسد النقص في طائراتها بسبب تعطل السكك الحديد نتيجة الأمطار الغزيرة التي تعرضت لها مناطق عدة في العراق وقامت الطائرتان بنحو 100 رحلة.

أما (كاظمة) الثانية وهي من طراز ايرباص (ايه 300 سي 4-620) فقد تعرضت في 4 ديسمبر 1984 للاختطاف على يد عناصر إرهابية حينما كانت في طريقها من الكويت إلى مدينة كراتشي الباكستانية وأجبرت على الهبوط في طهران حيث استمرت عملية الاختطاف ستة أيام وقتل الخاطفون خلالها راكبين أمريكيين من بين ركابها.

وقام رجال الأمن باقتحام الطائرة وتحرير رهائنها وإلقاء القبض على الإرهابيين لكن الطائرة ظلت محتجزة في مطار طهران 17 شهرا قبل أن تتمكن الكويت من استرجاعها في 5 مايو 1986.

ودمرت وسرقت القوات العراقية خلال فترة الغزو العراقي الغاشم نحو 15 طائرة من أسطولها من بينها (كاظمة) الثانية ما تسبب بخسائر قدرت بنحو 2ر1 مليار دولار أمريكي. أما (كاظمة) الثالثة وهي من طراز ايرباص (إيه310-300) فقد كانت أول طائرة مدنية كويتية في عام 2003 تحط في مطار بغداد بعد 13 عاما من انقطاع عن الأجواء العراقية حيث ساهمت الطائرة في نقل المساعدات الانسانية وحملت على متنها 20 طنا من مواد الإغاثة الطبية للشعب العراقي.

وبعد اطلاق (الكويتية) رؤيتها الجديدة التي تمثلت بتطوير وتجديد أسطولها وقعت اتفاقية لشراء عشر طائرات (بوينغ 777-إي.ار300) ذات المدى البعيد وأطلقت على إحدى هذه الطائرات اسم (كاظمة) للمرة الرابعة في مسيرتها كونه رمزا مهما في تاريخ الكويت. ويرمز اسم (كاظمة) أيضا إلى أول مجلة تطبع في البلاد إذ صدر العدد الأول منها في يوليو عام 1948 وهي مجلة شهرية أدبية اجتماعية أشرف على تحريرها بعض الشباب من أبناء هذا البلد واستمرت تسعة أشهر متصلة.

كما يرمز اسم (كاظمة) إلى مدرسة في الجهراء تعد من أوائل المدارس التي تم تدشينها في الكويت عام 1950 وفي عام 2002 أوقفت وزارة التربية العمل بالمدرسة بعد تخريبها ابان الغزو العراقي الغاشم حيث تغير اسمها فيما بعد إلى (مدرسة الجهراء). وسلمت المدرسة إلى (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب) نظرا الى قيمتها التاريخية اذ عمل على ترميمها لتصبح مركزا ثقافيا في أغسطس 2014 يخدم أهالي محافظة الجهراء ويستقبل البعثات الخليجية والأجنبية التي تشارك الفريق الكويتي بأعمال التنقيبات الأثرية.

وحرصت دولة الكويت على تدشين اسم (كاظمة) الذي يمثل الثروة التراثية المتميزة في مسيرة الدولة وتاريخ كل مواطن على العديد من المشاريع الكويتية داخل البلاد وخارجها.

ففي مارس عام 2006 أطلق الحرس الوطني الكويتي اسم (كاظمة) على أحد معسكراته الجديدة التي تضم عددا كبير من ميادين الرماية حيث صمم المعسكر بأحدث التقنيات الحديثة التي تحاكي أفضل وسائل التدريب المعمول بها في المؤسسات العسكرية في العالم. كما دشن معهد الكويت للأبحاث العلمية في نوفمبر 2015 مصنعا سمي ب(كاظمة) لإنتاج المياة المعبئة وهو أول منتج كويتي يستخدم تطبيق معالجة وتنقية المياه المالحة عن طريق استخدام الآبار الشاطئية وفق أحدث التقنيات.

بدورها أطلقت الإدارة العامة للاطفاء الكويتية أيضا اسم (كاظمة) على مركز لها افتتحته في منطقة الصبية في أغسطس 2016 وذلك تماشيا مع خطة الدولة التنموية وتحقيقا لأهداف الإدارة في توزيع مراكز الإطفاء جغرافيا بما يتناسب مع خطط واستراتيجيات قطاع المكافحة.

وفي سياق المساعدات الإنسانية التي تقدمها دولة الكويت إلى الخارج افتتحت في أبريل 2017 مدرسة (كاظمة) وهي الثالثة من نوعها التي تقام للطلبة النازحين العراقيين الموجودين في مدينة أربيل بتمويل من جمعية الهلال الأحمر الكويتي ضمن حملتها (الكويت بجانبكم)

أضف تعليقك

تعليقات  0