فن العمارة الكويتية.. نقلة نوعية من بساطة البناء إلى آخر التصاميم الحديثة

(كونا) -- انعكس ظهور النفط في الكويت والنهضة التنموية الشاملة على فن العمارة الكويتية فتحولت البيوت الطينية التي سادت البلاد في خمسينيات القرن الماضي إلى فلل ضخمة وقصور من الطابوق والخرسانة المسلحة وبآخر التصاميم الحديثة.

وغالبا ما تزخر مجالس الكويتيين ودواوينهم بأحاديث عامرة ملأى بالمشاعر للأجداد عن البيوت الطينية ودفئها ورحابتها وحتى برودتها صيفا وأنماط المعيشة حينها والتي بقيت منها أطلال دالة على تلك الحقبة من كويت الأمس.

وللاضاءة أكثر على هذا الموضوع التقت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم الأحد باحثين ومتخصصين بتاريخ الكويت الحديث إذ قال الباحث ومؤلف كتاب (لمحات عن تاريخ الكويت المعاصر) فهد العبدالجليل إن أقدم وصف للمعمار موثق في الكويت عائد للرحالة الحاج مرتضى ابن علوان عام 1709.

وأضاف أن ابن علوان نزل حينها إلى الكويت بعد عودته من الحجاز فقال "دخلنا بلدا يقال لها الكويت بالتصغير بلد لا بأس بها تشابه الأحساء في عماراتها وأبراجها ولكن دونها".

وأوضح الباحث العبدالجليل أن الفن المعماري في الكويت بدأ في القرن السابع عشر في حي الوسط (منطقة بهيته) على ساحل البحر حيث المنطقة مرتفعة ويقابلها (قصر السيف) وميناء الكويت القديم.

وذكر أن البيوت كانت تختلف حسب الإمكانية المادية فعلى سبيل المثال كانت الأسر المقتدرة تبني بيوتها من صخور البحر أما أصحاب الدخل المحدود فكانوا يبنون بيوتهم من الطين وعند هطول الأمطار الغزيرة كانت تهدم هذه البيوت الطينية ويدل على ذلك ما حدث في سنوات 1872 التي سميت الرجبية وفي الهدامتين (الأولى 1934 والثانية 1954).

وعن البيوت الصخرية بين أن أصحاب هذه البيوت كانوا يجلبون الصخور من منطقة (عشيرج) لبناء البيوت وتسوير (النقع) أي الميناء الصغير للسفن ومن فوائد الصخر أنه يعمل على تبريد الهواء الحار صيفا وصموده عند هطول الأمطار.

ولفت إلى أن أشهر البنائين الكويتيين آنذاك كانوا من عائلات الرباح والبحوه والبناي والفرحان وكانوا يمتازون بالمهارة وأشاد بهم الكثير من الرحالة ومثال على ذلك ديوان (عائلة البدر) ومسجد السوق.

من جانبه قال الباحث في التراث الكويتي صالح المذن إن الاستاد (البناي) يتولى تقييم حاجة صاحب البيت وعمل المخطط ومن ثم يبدأ الحفر لعمل الجدار بعمق متر وعرض 60 سم وهذه السماكة تؤدي إلى الاحتفاظ بالبرودة صيفا والحرارة شتاء على أن يكون ارتفاع جدار الغرف 3 أمتار ونصف المتر.

وأضاف المذن أنه بعد تحديد مكان النوافذ والأبواب و(الرواشن) لعمل دراوند (عتب من الخشب يوضع فوق الفتحات) ومن ثم يوضع الجندل ويبعد بين الوحدة والأخرى 20-25 سم وبعدها يصف الباسكيل وعرضها 3-4 سم ويثبت بالمسامير ويكون مطليا بالسيالي الأسود للمحافظة عليه من التآكل.

(الرواشن مفردها روشنه هي فتحة بالحائط غير نافذة لوضع الأغراض والزينة والمباخر والمراشة والرمامين والمشكاة اللي فيها المصباح وغيرها) أما (الباسكچي) فعبارة عن سلايت من خشب البامبو كان يجلب من الهند ويستخدم للاسقف بعد وضع الجچندل والبواري والطين.

وأوض المذن أنه بعد ذلك توضع البواري ثم الطين الصلبي سماكة 15 سم وبعدها الرماد يليه الطين الصلبي المخلوط بالتبن وثم توضع المرازيم (جمع مرزام ويستخدم لتحويل الماء من السطح إلى الخارج وله عدة أنواع من الخشب والتنك) واللحية ثم يمسح الطين بالتساوي مع الميل على المرازيم.

وللاشارة فإن النقلة النوعية للبنيان كانت في زمن الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح رحمه الله حيث تم تثمين البيوت في مدينة الكويت القديمة وانتقل بعدها أهل الكويت إلى المناطق النموذجية وسميت حسب الأحرف الأبجدية وكان أساس البنيان من الحجر.

وحول النقلة النوعية وبداية المعمار الحديث قال عميد كلية العمارة في جامعة الكويت الدكتور عمر خطاب إن بداية دخول المعمار الحديث في الكويت كانت في خمسينيات القرن الماضي مع دخول الخرسانة المسلحة في بناء المساكن مثل (بيت السدو) في المنطقة القبلية و(بيوت بهبهاني) في منطقة الوطية لتحل محل الأحجار البحرية والطمي المصنوع من التربة وأخشاب الجندل وأغصان النخيل والتي كانت تمثل مواد البناء الاساسية في البناء.

وأوضح أن المعمار الحديث بالمعنى المتعارف عليه بدأ في ستينيات القرن الماضي مع بداية أعمال بناء المساكن الحديثة خارج السور مثال على ذلك في المناطق السكنية الواقعة على شارع السور وطريق الدائري الأول مثل ضاحية عبدالله السالم والشويخ والشامية.

وذكر خطاب أن أساسيات البنيان الحديث اعتمدت في تلك الفترة على تلافي أخطاء نظام البناء التقليدي والبعد عن المواد البيئية مثل الطمي والحجر البحري (كورال ستون) المستخرج من مياه الخليج العربي وعن بناء الأحواش كما في البيت العربي التقليدي حتى وصل الأمر إلى وضع قواعد للبناء من قبل البلدية تمنع بناء المسكن ذي الحوش.

وبين أن نظام البناء الحديث اختلف عن النظام التقليدي في البناء الذي كان سائدا في الكويت من حيث المسؤولين عن تصميمه وتنفيذه إذ اعتمد النظام التقليدي على معلم البناء الرئيسي مع عمالة محلية تساعده في إتمام بناء المسكن.

وتابع أن النظام الحديث اعتمد على المتخصصين في علوم العمران والبنيان من المعماريين والمهندسين الإنشائيين في عملية التصميم والإشراف على التنفيذ وهؤلاء لم يكونوا جميعهم من الكويتيين بل أتى بعضهم من دول عربية مثل مصر ولبنان والأردن والآخرون من دول أوروبية مثل بريطانيا وبولندا والتشيك وغيرها.

وأشار إلى أن العمالة في البنيان جاءت بمعظمها من الدول القريبة مثل مصر وسوريا وإيران وباكستان وغيرها وذلك في جميع مناحي عملية البناء مثل الخرسانة المسلحة والبناء باستخدام الطابوق والمساح والصبغ وباقي اعمال التشطيبات.

أضف تعليقك

تعليقات  0